مارتن كيكوريز
ترجمة: الأستاذة حنان قصبي
ورشة المثقف
إذا كان فوكو قد اهتم بماركس الذي أحدث بالفعل “أثرا مُضاعِفا” في الخطاب، فليس الهدف من ذلك هو الرغبة في تبرير كل شيء، ولكن ذلك الاهتمام كان بالأحرى نتيجة طريقته الخاصة في تصور نظريته. فانتسابه أو عدم انتسابه للماركسية أمر بعيد عن انشغالاته، وهو موضوع تركه لـ”عِلم الشيوعية” الذي ينظم ويتحكم في قواعد استعمال ماركس انطلاقا من سلطة الحزب. فهو يستعمل الماركسية بقدر ما يتحرر منها لعدم وجود أية إمكانية للتوحيد الثقافي إبان الإبداع. كل تداعي ثقافي ضد السلطة سيكون فعلا غريبا سيلجأ بالضرورة لاستراتيجيات من أجل ترك المعارف تضمحل من الذين لا صوت لهم، تلك المعارف التي تركتها إجراءات إقصاء الخطاب في الظل، وليس من أجل الإرشاد إلى الطريق أو إضاءته، ولا من أجل البحث عن انتمائه، وليس من أجل التناول الشمولي للخلاف في خطاب ما. وعوض الاهتمام بدعم المتن التاريخي لماركس، يجب التحرر من استعماله الرسمي للتمكن من استعماله كأداة إضافية من أجل بناء نظري يواكب العمل السياسي.
ونتيجة لما سبق، فإن استكشاف أصداء فكر ماركس سيذهب إلى أبعدِ مِن استشهادٍ يُصبح سلطة: “أستشهدُ بماركس دون قراءته، دون وضع أقواله بين مزدوجتين، وبما أنهم عاجزون عن التعرف على نصوص ماركس، فإنني أصيرُ في نظرهم ذلك الذي لا يستشهد بماركس”. إضافة إلى ذلك، “فأية أهمية لمن يتكلم” إبان الفعل ؟
اختراع السلطة وسلطة الاختراع
نظرا لكون فوكو قد وجد نفسه، في “أركيولوجيا المعرفة”، حبيس إشكالية المعرفة، فإن نقد مفهوم الاستمرارية كان يجب أن يُمهد المجال للدخول المفاجئ للخطاب باعتباره نتيجة، داخل حقل تشتتات. هذا الاهتمام الذي يُفضلُ الحدث الخطابي تَركَ العلاقةَ ما بين الخطاب والأحداث مُعلقة.
إن الانتقال إلى إشكالية السلطة يتمحور حول نقد التاريخ التقليدي، في تعارض مع التاريخ الفعلي الذي رسمتْ بعضُ أعمالِ نيتشه معالمَه الأولى. ويجب أن تتصف المهمة بالدقة لإضاءة “حقائق صغرى” مَكنونة في الأصنام الحديثة مثل: الذات والعقل والتقدم. قدم فوكو، في مقال تحت عنوان “نيتشه، الجينيالوجيا والتاريخ”، تأملا حول البحث عن الأصل ونتائجه على العمل التاريخي التقليدي. تسمح المفاضلة بين التاريخين لفوكو باستخراج بعض التقديرات المنهجية التي تعتبر حيوية بالنسبة للبحث الذي تواصله أعماله. ينطلق المقال – الذي تعتبر مميزاته فيلولوجية تقريبا – من استعمالات مختلفة لمفهوم الأصل عند نيتشه. إن جينيالوجيا التاريخ تنزع القداسة عن الأرض التي وُعِد بها المؤرخ.
يُنقب فوكو -وهو يقتفي أثر نيتشه في جينيالوجيا الأخلاق – ويكتشف جحر التاريخ. لقد تم التعبير عن قصده سلفا، في المقام الأول، من طرف المؤرخ الذي يحاول إيجاد هوية قد تظل غريبة وسليمة على مر الزمان – متجنبا بذلك الانقياد للمفاجأة والفراغ – بينما يرى الجينيالوجي عدم وجود أي شيء وراء الأشياء. وفي حالة وجود شيء ما وراءها، فإن ذلك ليس سوى اختراعا محضا أو فعلا مصطنعا. وسيتحدد الاستكشاف مسبقا، في المقام الثاني، بخاصيةِ ما يتمُ البحثُ عنه، يوجد في البداية ما هو خالص، أي الطاهر الذي يحكي دوما مآسي البراءة. وبالمقابل، فإن البداية، بالنسبة للجينيالوجي، وَضِيعة، لا طائلة من ورائها، تخترقُها الصدفة والعنف. ويلاحظ المؤرخ، أخيرا، حقيقة مفقودة في هذا الأصل، لكن إذا استعملنا إدراكَنا الحسي بكثافة فلن نجد في عمق الكلمات والأشياء إلا الأخطاء المكذّسة.
يقلب الجينيالوجي صفحات الزمن ليجد الجانب البخس في البداية. إذا كان نظام الخطاب يهتم بظهور الحدث، فإن نظام الممارسات غير الخطابية سيتحدث عن “الظهور المفاجئ” للواقعة في تنافرها وتباينها. وللقيام بهذه المهمة بنجاح، يستعمل فوكو مصطلحين استعملهما أحيانا عوض مصطلح الأصل وهما: المصدر والانبثاق. يحيل المصدر للجسد الذي يتخذ فيه تسجيل الوقائع وجودا ماديا. ارتسم عمق الوعي على جلد الجسد. يُثبّتُ العرَض والحقيقة والخطأ والانتصارات والهزائم مقاومتها العابرة في الجسد. ولكن المصدر يدعو أيضا للإنصات للأصوات الصادرة عنه.
ومن جهة أخرى، لا يجب إدراج الواقعة في السلسلة المستمرة التي تحيل على مبدأ وحيد لا يتبدل، بل يجب إدراجها في حالةِ غُلوِها وتعسفِها البدائية. وللنجاح في ذلك، يجب بلوغ انبثاقها. نسقط في الغالب في وظيفية نفعية مبتذلة – وهل توجد غير هذه ؟ – إذا اعتبرنا نقطة وصول حدث ما، في استمرارية معينة، قانونا لظهوره. تحاول الجينيالوجيا استعادة علاقات القوة التي تسببت في وقوع الواقعة، الصرح الصامت الذي يقتضي إعادة بناء القوى المشكلة له من أجله (القوى الفاعلة والقوى التي تمارس رد الفعل حسب نيتشه، القوى الطيبة والشريرة حسب سبينوزا). إن الحدث هو السطح (بالمعنى الهندسي) المجعّد الذي نشر فيه الأعداءُ قواهم وبيّنوا المسافة التي تحدّها. العنف هو السّمة التي توحدها لِمدة وجيزة. ويملك الحدث هو أيضا قِناعَه الذي هو القانون. ونعود هنا مرة أخرى لإشكاليتنا، التي بدتْ منسية، لأن التأويل والحدث –كما هو الشأن في نص مداخلة فوكو “نيتشه، فرويد، ماركس” – هم نتيجتان للعنف. سيقول فوكو فيما يعد: “إذا كان التأويل هو الاحتماء –بسبب العنف أو التدليس – من منظومة قواعد لا تملك في ذاتها دلالة أساسية، وإجبارها على إتباع اتجاه معين، وإرغامها على الخضوع لإرادة جديدة، وإدخالها في لعبة أخرى، وإخضاعها لقواعد ثانوية، فإن الإنسانية هي سلسلة من التأويلات”. ستصف جينيالوجيا ماركس أشكال العنف والطيّات التي تفرضها على الاقتصاد السياسي والتاريخ والسياسة بغية منحها توجها آخر لن يكون – حسب فوكو – اتجاه الإنسانية الأخير أو النهائي، ولكنه سيكون مجرد جولة إضافية في تاريخ إرادة المعرفة.
الجسد السجين
يوحي انبثاق الواقعة بإمكانية تعددية التواريخ التي قد تستطيع تصور موضوعات متناغمة مع هذه المواد الدنيا والمبعثرة والبئيسة. يمكن للجسد أن ينفتح هو أيضا على التاريخ، تاريخ الكيفية التي تتكون عبرها الذاتية. إنه تاريخ سجنه.
ليست الذاتية، بالنسبة لفوكو، شيئا جاهزا، إنها اختراع (أي erfindung بلغة نيتشه)، وتوجد الحيل والخدع دوما في منتهى هذه البنايات التي تتطلب منا إعادة بناء الإستراتيجية. كان هذا الأمر واضحا من قبل في “الكلمات والأشياء”. ويوضح أيضا كيف أن كل اختراع يمكن أن يكون أيضا أداة للسلطة أكثر مما يكون أداة للتحرير، كما يدرس ذلك في تكنولوجيات الذات. لا توجد بالنسبة لفوكو ذاتُ معرفةٍ جاهزة، بما أنها أثر لبعض علاقات السلطة. كانت الروح –هذا الكنزُ الخَصِبُ بمزايا إنسانية كونية – أثرا وأداة للسلطة. إن تاريخ الجسد هو تاريخ طيّ قِواه، تاريخ استعماره البطيء، الذي بدأ خصوصا بخلق الذاكرة. لا يتعلق الأمر بمسار طائش، لأنه يستكشف بكيفية غير منتظمة المعرفة الموروثة في نفس الوقت الذي يدعي فيه العمل كـ”ذاكرة مضادة”، “بتذكيرنا” أن الكلمات لا تنجو هي أيضا من هذه المعارك. يأتي هذا “التاريخ المضاد” ليُربك “الذاكرة” وتمجيدها الدائم للمسيطِر وليحذّرنا من الأصول الغريبة لكل تراتبية.
عالج فوكو التحكم في قوى الجسد في كتابه “المراقبة والعقاب”. وتطرق فيه لمجموع الإجراءات باعتبارها شبكة يتم إنشاؤها ما بين ممارسات خطابية وممارسات غير خطابية، ويتضمن هذا الكتاب تحليله لعلاقاتها المتبادلة. وتتكون تلك الإجراءات من خطابات ومؤسسات ومنشآت معمارية وتدابير إدارية وقوانين…إلخ، كما تملك موقعا استراتيجيا مسيطرا لأنها تستجيب لإلْحاحِية سياسية.
يلاحظ فوكو تغيرا في ممارسة السلطة إبان الانتقال إلى النظام الحديث، فالانتقال من العقاب عن طريق التنكيل إلى العقاب عن طريق التطويع والإخضاع يتطلب حدوث ثورة في تقنيات السلطة. إنه تغيير في وظائف السلطة التي صارت منذئذ عبارة عن وظائف تقوم بمراقبة الأجساد والانتباه إليها واستفزازها. تُنتِجُ السلطة قوى وتنظمها وتُنميها. ثم تنقل اهتمامها نحو إدارة الحياة انطلاقا من مجموع الإجراءات الخاصة بالجنسانية. ولا يقتضي هذا الأمر اختفاء الحروب والمذابح والحروب الدينية التي تتسبب فيها الدولة. لكن الحروب والمذابح والحروب الدينية تحدث الآن باسم “حياة الأجساد والعرق وبقاءهما على قيد الحياة”(17). إن السلطة الحيوية (ز) (البيو-سلطة) باعتبارها غزوا للجسد تتم عبر مرحلتين: في البداية هناك التشريح السياسي للجسم البشري، الذي ينتظم حول “الدراسات المتخصصة” في القرن 17 و18، والذي يجد نقطة ارتكازه في الجسم كآلة. تغزو التقنيات –اليقظة، الانتباه، الفحص…إلخ – المؤسسات التي هي مجال يقاوم الغزو إلى هذا الحد أو ذاك: الجيش، المدرسة، المستشفى… إلخ.
وبعد ذلك يتم تأسيس سياسة حيوية (س) (بيو سياسة) للسكان منذ القرن 18 عبر سلسلة من التدخلات والمراقبات المنظِمة للحياة: الولادات، طول العمر، الوفيات…إلخ، والتي موضوعها هو: الجسد-النوع. وسيكون الجنس هو طريق الولوج من الجسد إلى النوع. وستنظم “دراسات متخصصة” مثل الديموغرافيا والطب النفسي والإحصاء عملية الاستيلاء في مجال منفتح.
إن المشكل الذي ينبغي حله في عملية التشريح السياسي هو التبدد والكثرة. والسؤال الذي يطرح هو: كيف الوصول للعبودية الإرادية في مجتمعات تَعْمُر بالسكان ببطء ؟ ما العمل لكي تصبح هذه الأجساد متحكّما فيها وفعالة وتتشكل، إضافة إلى ذلك، لتكون هدفا سهلا للمعرفة ؟ إن ما تُبجّله الطوباوية الجديدة هو الأمر التالي: جسد قابل للتحليل وجسد قابل للاستعمال = جسم منتج.
نتج التوفيق ما بين تراكم الأجساد وتراكم رأس المال –وهو الأمر الذي سمح بوجود الرأسمالية – عن هذه المهمة التأديبية الانضباطية. تشابكت علاقات السلطة بعلاقات الإنتاج. يعيد فوكو بهذا التحليل تأسيس المجال الموجود ما بين التراكم الأصلي وتراكم رأس المال. وهو الموضع الذي ظل فارغا في كتاب “الرأسمال”. تتولد العملية التي يتم من خلالها تجريد أفراد من أراضيهم وتحولُهم إلى أيدي عاملة من توسيع الإنتاج إلى أقصى حد، ومن الاختزال السياسي لهذه الأجساد التي لازالت موسومة بوتائر العمل والراحة والحفلات في البوادي. يستشهدُ فوكو في مقاطع من كتابه “المراقبة والعقاب” بـ”الكتاب الأول من رأس المال” لإقامة علاقة ما بين التقنيات التأديبية الانضباطية وإمكانيات مراقبة الطبقات الشعبية في عملية الإنتاج. ولكن بطء دمج وقبول النظام الاقتصادي الجديد – وهو الأمر الذي لم يخل من صراعات – من طرف فلاحين سُلبت منهم أراضيهم ومتشردين وعاطلين عن العمل (…) ليس نتيجة لخديعةٍ إيديولوجية، بل ربما هو نتيجة لتقنيات السلطة. ويُفسّرُ ذلك بأنه “لكي يوجد فائض الربح يجب أن توجد سلطة فرعية. ويجب إقامة نسيج سلطة سياسية ميكروسكوبية دقيقة على مستوى الإنسان ذاته، تُثبّتُ الناس في جهاز الإنتاج بتحويلهم إلى مجرد فاعلين في مجال الإنتاج، أي تحويلهم إلى عمال”. إن الفيزياء الميكروسكوبية هي جينيالوجيا هذه التقنيات التي تم تجميعها في غناها المتواضع، لأنها تُستخدم كنقطة اتصال ما بين المؤسسات وجهاز الدولة من جهة، وما بين الأجساد وقواها من جهة أخرى. وبهذا الشكل لا تمر مسألة السلطة عبر الملكية ولكن عبر ممارستها، كما أن آثارها هي دوما نتيجة غير قارة وغير متكافئة مع ترتيب القوى ونسيج العلاقات. تكمن أصالة فوكو في رصده للتقنيات التأديبية الانضباطية انطلاقا من أصلها الهجين (الذي هو “الإقامة العسكرية المؤقتة”) داخل المناهج البيداغوجية…إلخ، أي في ترتيبها الإستراتيجي المحلي. وهكذا يستدعي فوكو مرة أخرى ماركس لإقامة علاقة ما بين تقسيم العمل والتكتيك العسكري.
وفي الختام، لا وجود لتحول إيديولوجي في عملية الانتقال ولكنه يوجد في التكتيك. ولقد سبق لماركس أن أشار إلى ذلك، فاصل الرأسمالية ليس ثمرة لعملية تحرير ولكنه ثمرة للدفاع عن السوط. لا وجود لتملك الذوات لوعي تدريجي.
يجب ربط ظهور فكر مختلف، (ثوري – يهتمُ بالحاضر) بالضرورة الإستراتيجية لتشكل أجساد جديدة. ويجب أن تتواجد هذه الأجساد خارج النماذج المحددة من طرف القيم السائدة. لا يتعلق الأمر فقط بمسالة الوعي كما تود ماركسية معينة أن نفهم ذلك، ولكن الأمر يتعلق أيضا بالانفتاح على إمكانيات جديدة للحياة. وبهذه الكيفية يعيد فوكو التأكيد على ماديته.
—
(المرجع: مجلة Actuel Marx ، العدد 6، سنة 2001)