مَاركس كما يَتَخيلُه فوكو 2/3 (حول السلطة والمجتمع)

مارتن كيكوريز

ترجمة: الأستاذة حنان قصبي

إذا كان التاريخ يتجه، عند ريكاردو، نحو تجاوز التناهي الأنثروبولوجي حتى بلوغ نقطة توازن نهائية، هي فشله الخاص، فإن الحرمان –الاستلاب الذي ينتجه – يكشف بالنسبة لماركس عن التناهي، ويرسم اتجاه الطريق الثوري. يحاول كل واحد بطريقته الخاصة فهم العلاقة الإشكالية الموجودة ما بين الأنثروبولوجيا والتاريخ. يتعلق الأمر، كنتيجة لذلك، بتنسيق سيميولوجي بعيد كل البعد عن أن يكون طفرة إبستيمية.

ويخلص فوكو في الأخير إلى أن “الماركسية لم تُدخِل أية قطيعة فعلية على المستوى العميق للمعرفة الغربية (…) تشبه الماركسية في فكر القرن التاسع عشر سمكة في الماء، أي أنها ستتوقف عن التنفس في أي مكان آخر خارج المعرفة الغربية”. وما يدعو للغرابة هو عدم وجود أية إحالة مباشر لفائض القيمة.

سيَحدثُ أول انحراف، وسيتسببُ في عدة مشاكل، خاصة لدى الماركسيين الذين تبنوا فكر ألتوسير. إنها مفاجأة مزدوجة، وخاصة إذا تذكرنا أن لويس ألتوسير كتب في تلك المرحلة المقالات التي ستنشر في كتابه “قراءة رأس المال”. أعاد البنيوي الماركسي التأكيد، في تلك المقالات، على ما يُعتبر مفتاح قراءته، أي القطيعة النظرية التي قام بها ماركس في القرن التاسع عشر. إنها قطيعة تمت على مستويين: يتطابق المستوى الأول مع بزوغ قارة معرفية جديدة هي التاريخ، والمستوى الثاني هو نتيجة لحدوث تنسيقٍ في تاريخ العلوم. لكننا نجد أن القطيعتين، في التأويل الذي قدمه ألتوسير، هما نتيجة الهوة التي حدثت مع الاقتصاد الكلاسيكي. ومن الصعب فهم أسباب صمت ألتوسير الطويل عن مواقف فوكو.

نجد في “الكلمات والأشياء” الإشكالية التي كانت متضمنة بشكل غامض في نص مداخلته “نيتشه، فرويد، ماركس”. ولقد لاحظ فوكو، بتركيز تحليله على اللغة، التغيرات التي حدثت انطلاقا من القطيعة ما بين الفكر واللغة، وذلك نتيجة انهيار التمثل الكلاسيكي. إن الجانب الأساسي في هذه الطفرة هو تبدد اللغة. فهذه الأخيرة تنطوي على ذاتها وتتحول إلى موضوع يجب السيطرة عليه لأنه لم يعد يترجم الفكر. وتصبح كثرته مقلقة إلى حد ما. ومكّن تكثيف اللغة من تجديد تقنيات التفسير، وظهور تيارات تمارس التَّقعيد الاستنباطي، كما فتح منفذا ستبزغ عبره اللغة القادرة على الإحالة على ذاتها وعلى الأدب. وفي هذا المجال الجديد “يعتبر الكتاب الأول من رأس المال تفسيرا للـقيمة، ويعتبر نيتشه كله تفسيرا لبعض الكلمات اليونانية، ويعتبر فرويد تفسيرا لكل الكلمات الخرساء التي تدعم وتنقب، في نفس الوقت، في خطابتنا الظاهرة” ولكن فوكو يطرح هنا السؤال التالي: إلى أين تقود كل هذه المحاولات الهادفة للسيطرة على اللغة أو تحريرها؟ وذلك “لأنه انطلاقا من كوننا نريد إعادة تكوين الوحدة المفقودة للغة، هل نستطيع الذهاب إلى أقصى فكر القرن التاسع عشر أم سنتوجه إلى صيغ اتضحت عدم ملاءمتها له؟”هل يتعلق الأمر بالدوغمائية أم بالعدمية ؟

إذا قارنا هذا العرض الموجز بـ”الكلمات والأشياء” سنلاحظ تغير محور التمفصل. تدور الإبستيميات وطفراتها، في “الكلمات والأشياء”، حول مسألة نهاية الإنسان، نهاية النزعة الإنسانية الحديثة. وتقوم هذه الإشكالية بتنظيم معالجة المشكل كما لو أنه وَجَد ما بين نيتشه وفرويد وماركس و”الكلمات والأشياء” معنى لأوصافه المفصلة. لم يعد ماركس ينتمي لبراديغمالقطيعة: “… سيقال أن هولدرلين Holderlin، وهيجل Hegel، وفيورباخ Feuerbach وماركس كانوا جميعا يملكون سلفا ذلك اليقين بأن فكرا بداخلهم، وربما ثقافة أيضا بلغا نهايتهما، وأنه من عمق مسافة لم تكن ربما منيعةً، كانت ثقافة أخرى قادمة (…) وما أضافه هذا الإعلان للفكر هو توفير مقام قار للإنسان على هذه الأرض التي تُركت لمصيرها (…) ما هو مؤكد في أيامنا هذه هو نهاية الإنسان (…). يبدو ماركس هنا حداثيا قبل اختراع مفهوم الحداثة، أما الجهد الألتوسيري الهادف إلى إعادة خلق ماركس الذي كان سيدشنُ –بعد قطعه الصلة بالاقتصاد السياسي – المُعاصرةَ، فسيتبدد أدراج الرياح بجرة قلم.

ما يقولون أنني قلته

قادت السجالات، التي اندلعت بقوة على إثر نشر كتاب “الكلمات والأشياء”، فوكو إلى القيام بسلسلة من التعديلات وإلى تدقيق موقفه من ماركس.

وفي استجواب مع رايمون بيللور Raymond Bellour عدّل وجهة نظره بنفي القطيعة الإبستيمولوجية بين ريكاردو وماركس. لكنه أضاف بالرغم من ذلك قائلا: “وبالمقابل، يمكن أن نفترض أن ماركس أدخل إلى وعي الناس التاريخي والسياسي قطيعة راديكالية، وأن النظرية الماركسية حول المجتمع دشنت فعلا حقلا إبستيملوجيا جديدا كل الجدة. يحمل كتابي عنوانا فرعيا هو “أركيولوجيا العلوم الإنسانية”، ويفترض هذا الأمر ذاته إبستيملوجيا أخرى، والتي ستكون بالتحديد هي تحليل المعرفة والوعي التاريخي في الغرب منذ القرن السادس عشر. وحتى قبل التقدم كثيرا في هذا العمل، يبدو لي أن القطيعة الكبرى يجب أن تتموقع في فكر ماركس”. كان يجب موقعة القطيعة الإبستيمولوجية، في نظرية التاريخ والسياسية، في القرن 19. وذلك لأنها حدثت في بدايات هذا القرن في مجالات علوم اللغة والحياة والاقتصاد. وهكذا يتضح أن ماركس هو الذي دشن تفكيك مفهوميْ الاستمرارية-الذات، وهو الذي أدخل ممارسة اللاستمرارية في مجال التاريخ في نفس الوقت. وبالرغم من أن عملية التحرير لم تبلغ نهايتها، فإن فوكو يدين الميل إلى إضفاء الطابع الأنثروبولوجي على ماركس في الأقوال المشبعة بالنزعة الإنسانية التي تعتقد بكل سذاجة القدرة على أن تسترجع من الذات كل ما يتجاوزها.

سيكثف فوكو، في كتابه “أركيولوجيا المعرفة”، محاربته لنوع التاريخ الذي يشجع النزعة الإنسانية، لكنه يحارب أيضا، وبشكل أقل وضوحا، الأفق البنيوي، وهو ما يخفي، بالنسبة للبعض، بداية ما بعد البنيوية. في هذه المسألة سيقول أن معارضة “اللاتمركز الذي أنجزه ماركس –من خلال التحليل التاريخي لعلاقات الإنتاج والمحددات الاقتصادية وصراع الطبقات – أدت، حوالي نهاية القرن 19، إلى البحث عن تاريخ عام يمكن فيه إرجاع اختلافات المجتمع إلى صيغة وحيدة، وإلى تنظيم تصور واحد للعالم، وإلى إقامة نظامِ قيم، وإلى نوع منسجم من الحضارة”. ولكن اللاتمركز الذي تسبب فيه ماركس تم تمديده بمحاولة مَرْكَزَة جديدة، ليس فقط من خلال الطريق الأنثروبولوجي، ولكن أيضا عبر الاختزال البنيوي. تعيد “إعادة الأقلمة” في مركز جديد، والبنية، إدخال فلسفة التعالي والمفارقة، والتي تميزت منذئذ بالمبالغة في الموضوعية – أي البنية الاقتصادية انطلاقا من تطور آلي لأنماط الإنتاج أو اختزال اللاوعي من خلال بنية أوديبية – الموقفان معا يخضعان لـ (العامل)”الواحد” لتفسير الواقع. يتعلق الأمر بأن يمتلك المرء رؤية تعددية، وبرفض أي نوع من التاريخ الكُلِّياني، أو بتعبير فوكو، أي نوع من التاريخ الشمولي، الذي يستهدف توحيد الكثرة. هذا التاريخ الذي يحيل دوما إلى نواة وحيدة تختزل الحياة فيما هو عام (…) يطال هذا النقد مفهوم الإبستيمي الذي لن يبدو أبدا أكثر هشاشة كعامل مُوحِد، انسجاما مع حدوث طفرة دفعة واحدة، ولكنه سيبدو “كمجال للتبدد، كحقل مفتوح وقابل بدون شك لوصف علاقاته بلا نهاية”. لا يتعلق الأمر باللاستمرارية ولكن بتكاثر لانهائي. وبهذه الكيفية، لا يجد ماركس مكانه في العتبة التي يشكلها الاقتصاد السياسي كما هي حالة ريكاردو، ولكن في إعادة صياغة هذا الأخير انطلاقا من ممارسة خطابية تؤسس تنظيما جديدا للتحليل السياسي والتاريخي الذي يملك، فضلا عن ذلك، وظيفة الكشف عن مرجعه الخطابي.

بعد توضيح هذه الإشكالية، تظل هناك حاجة لمعرفة أي نوع من البزوغ ذلك الذي أثاره الخطاب الذي زرعه ماركس داخل المجال الأركيولوجي وفي انسجام مع مِحور الممارسة الخطابية والمعرفة والعلم. يميز جواب فوكو ما بين نوعين من المواقف داخل سطح الخطاب: المؤسسات العلمية والمواقف الخطابية. ينسحب ماركس مجددا من المِحور الذي يوضع فيه عادة. إنه ليس مؤسس الاشتراكية العلمية، مقابل الاشتراكية الطوباوية، وليس أيضا ماركس الذي نجده في الصيغة الألتوسيرية، أي مؤسس علم جديد هو المادية التاريخية ومبدع قطيعة إبستيمولوجية لم نستوعبها بعد، لأن الفلسفة، حسب ألتوسير، تسير دوما وراء العلم. يتموقع ماركس الألتوسيري في صرح المعرفة العلمية هذا مثل طاليس (قارة الرياضيات) وغاليلي (قارة الفيزياء). إن تأسيس ماركس لقارة التاريخ سيسمح ببزوغ المادية الجدلية التي هي علم العلوم، وهو المشروع الذي وعد ألتوسير بإتمامه.

يتميز ماركس الذي نقرأه في وصف فوكو بكونه “مؤسس الممارسة الخطابية البرهانية” والذي تترك هذه الإشكالية علاقته مع العلم معلقة. لقد اهتم فوكو بموقف “ما بعد – الممارسة الخطابية البرهانية”، الذي ينتظم بداخله مجال مرجعي منسجم إلى هذا الحد أو ذاك، ويسمح أيضا بتكاثر غير محدد للخطابات والاختلافات، بالرغم من أن هذه الأخيرة رهينة بالخطاب نفسه. يظل الأساس العلمي، باعتباره محدودا وضيقا ومنسجما في علاقته بالتحولات المتفرعة عنه، حاضرا فيما يخص هذه الأخيرة. يتعلق الأمر في حالة التأسيس الخطابي البرهاني بترك الملفوظات تنساب، وفتح حقل اكتشاف يخلق في نفس الوقت مسافة أو ابتعادا عن ذلك الاكتشاف. يدفع هذا الفصل ما بين التأسيس الخطابي البرهاني وتحولاته اللاحقة إلى العودة إليه باستمرار. إن عودة نسيان أساسي إلى المصدر، حسب فوكو، يُخفي أيضا ما يُعبرُ عنه. ولكن هذه العودة لا تعني الكشف النهائي عن حقيقة كانت ستظل نائمة، ما عدا إذا تتعلق الأمر بلعبة تحيل على هذه الاختلالات “التي تجنبها النسيان أو أخفاها، وقنّعها بامتلاء مزيف أو رديء، ويجب على العودة أن تكتشف من جديد هذه الثغرة وهذا النقص…”. إن الأمر يتعلق بغياب أبدي في آخر المطاف.

وهكذا تنتج تغيرات في الماركسية عن قراءة جديدة لماركس أو عن اكتشاف لبعض النصوص، وليس الهدف هو بلوغ الدرجة الصفر حيث سيتوقف التأويل في مواجهة ماركس الأساسي، ولكن الهدف هو إطلاق رهان جديد قد يصنع فجواته الخاصة ونسيانه الخاص. هذا ما حدث مع مخطوطات 1844 التي أثرت على اليسار الماركسي المتطرف، وعلى تأملات الاشتراكيين الديمقراطيين، والوجوديين والتوماويين الجدد(ذ). وسوف يتم التفكير من جديد في صفوف الماركسية حوالي نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات في صيغة النزعة الإنسانية-الماركسية التي مثلها غارودي Garaudy وفروم Fromm وماركوز Marcuse، تلك النزعة التي أكدت أن جميع المقولات الأساسية لماركس تفرعت عن المخطوطات. وبعد تبجيل الستالينية والنظرية المُجدّدة معا للعامل الاقتصادي، سيجرب ألتوسير حظه من جديد بنقد النزعة الإنسانية-الذاتية الماركسية.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد