من هم الديمقراطيون بالمغرب ؟

بقلم: الأستاذ محمد الهلالي

ماذا لو كان من المستحيل أن يصبح المغرب بلدا فعليا للحريات؟ بلدا ينعم فيه المغاربة بمختلف اعتقاداتهم وتصوراتهم وسلوكياتهم بحرية الفكر والعقيدة والتصرف في انسجام تام مع الذين يخالفونهم الرأي والسلوك ؟ ماذا لو كانت المكونات التاريخية والعقائدية والسياسية للمغرب قد جعلت منه “هوية” معادية للحرية ؟ وبالتالي مجرد مستهلك لخطاب الديمقراطية الليبرالية وما يستلزمه ذلك الخطاب من حريات فردية وجماعية أساسها الاختلاف والتناقض السلميين ؟

إن الحرية مبدأ ومفهوم، لكنها أيضا نتيجة سيرورة اسمها الرأسمالية وفلسفتها الليبرالية. ومن هذا المنظور يمكن فهم التناقض الصارخ الذي يسم واقع المغرب اليوم.

فمن جهة، هناك تضخم في خطاب الديمقراطية، ومن جهة أخرى، تواجه الجميع وقائع تتناقض مع أبسط مقتضيات الديمقراطية مثل: اعتقالات في صفوف الطلبة والصحافيين، محاكمات للرأي، منع للجرائد، تضييق على حريات التعبير… فما أساس هذا التناقض ؟

تتعايش عدة خطابات سياسية متناقضة في الحقل السياسي والإيديولوجي بالمغرب، ويمكن اعتبار هذه الوضعية من حيث حدتها، بناء على مقارنتها بوضعيات دول تجمعنا وإياها روابط التأخر التاريخي والتخلف الاقتصادي واضطهاد المرأة والاستبداد في الرأي، وضعية متميزة بله شاذة. ولقد بلغ هذا التناقض أوجا يفترض معه أنه تسبب في انفصام الشخصية السياسية لجيل ما بعد الثمانينات.

ويتجلى هذا التناقض في موضوعة الحرية كقيمة مثل وامتداداتها عبر قيم أخرى.

فبمجرد ما تم تدبيج وثائق الاستقلال المتفاوض بصدد، ظهر للعيان النزاع الحاد بين تصورين وخطابيين متمايزين.

يمكن نعت التصور الأول بالسلطوي التسلطي الذي يرتكز على فكرة النيابة علن الشعب في الحكم، وعلى فكرة الخلاص التي يجسدها قادته، ولذلك كان التناحر بين مكونات حاملي هذا الخطاب عنيفا بل دمويا. حيث نجد من جهة السلطة المتمثلة آنذاك في المؤسسة الملكية والأعيان وقادة الجيش تدافع عن أن الاستقلال قد تم وأن الاستقرار واجب على أرضية الوقائع التي خلفها الاستعمار، أي قبول الاستعمار الاقتصادي والتبعية التامة للمستعمر. ويتعلق الأمر بتصور استبدادي استفرادي للسلطة، ينزع إلى جعل الملكية مطلقة واستعمال الحزب الوحيد وسيلة لتحقيق ذلك مع العلم أن الحزب الوحيد القوي يشكل خطرا على الملكية ذاتها.

ومن جهة أخرى نجد اليسار بمكونه الانقلابي والجمهوري والمتذبذب يدافع عن كونه هو الذي يملك مفاتيح الخلاص عبر الانتقال تحت الضغط الاقتصادي أو عبر إزالة الطابع المخزني عن الدولة أو الثورة أو الانقلاب.

ونلاحظ أن الطابع المشترك بين الخطابين هو احتكار السلطة من طرف طغمة حاكمة سواء باسم الشرعية الدينية والتاريخية أو باسم الشرعية السياسية والإيديولوجية.

أما التصور المخالف للتصور الأول بشقيه فهو التصور الليبرالي الذي لم يتمكن من إسماع صوته أو لم يكن المغرب مستعدا لتقبل وتبني تصور يقوم على الحريات وقبول الاختلافات.

كان من المفترض بعد الانقلابين العسكريين الفاشلين، والفاشيين أيضا، واعتماد العمل الديمقراطي البرلماني في ظل ملكية دستورية، يسود فيها الملك ويحكم، أن يحدث فرز واضح في الخطاب ومكوناته حسب معطيات الواقع. لكن وعلى العكس من ذلك، تفاقم التعايش على أساس التناقض والصراع، بل انعدم التميز المفاهيمي والفلسفي حيث الكل ينادي بالديمقراطية والحرية والعدالة بما في ذلك الحزب الديني المشارك في العملية السياسية. ولم يعد هناك من خطاب معارض إلا لدى اليساريين الجذريين والإسلاميين الراديكاليين في مطالبهم السياسية المركزة على دولة الخلافة وبالتالي عدم الاعتراف بإمارة المؤمنين.

فبالرغم من تعدد الأحزاب وتعدد الصحف واعتماد الانتخابات المحلية والتشريعية والجهر بتبني الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لم تتخذ الدولة المغربية أية إجراءات لتغيير البنية التحية بشكل يدعم خطاب الديمقراطية وامتداداته، لم يشهد المغرب مثلا أي إصلاح زراعي ليبرالي حقيقي، ولم يعرف أية شفافية في مجال المال والأعمال والصفقات في القطاعين العام والخاص، ولم ينجح في إصلاح التعليم لا فيما يخص البنية التحتية، ولا فيما يخص البرامج الدراسية والمناهج.. بل تم اعتماد سياسة القفز إلى الأمام بتعميق طبقية التعليم عبر مأسسة التعليم الخاص الممتاز وعدم إخضاعه لأية مراقبة، وترك المدرسة العمومية ترتع في مشاكلها وتدني مستواها رغم الخطورة الاستراتيجية والأمنية الذي لهذا الوضع، ولم ينجح في إصلاح قطاع الصحة بحيث تفاقم الوضع وأصبح من الصعب أكثر فأكثر الاستفادة من خدمات هذا القطاع لعدة أساب منها: النمو الديمغرافي وسوء التغذية وآثارها وارتفاع نسبة الجريمة، وتكاثر عدة أمراض بفعل السن وتلوث المياه وفساد بعض المواد الغذائية وقلة الموارد المخصصة…

إضافة إلى الذاكرة الجريحة بفعل الأحداث المأساوية التي تشكلت منذ تصفية المقاومين ومحاولة فرض الحزب الوحيد مرورا باغتيال الزعماء السياسيين ومحاكمات اليسار الماركسي وزعماء الطلبة وما نتج عن ذلك من ضحايا بفعل القمع والإهمال وهو الأمر الذي لازالت معالمه مستمرة إلى الآن.

فهل يمكن الحديث عن عمى الخطاب ؟ أي عن خطاب أعمى لا يرى واقعه، ويصر على أن يوجد وحيدا معلقا في السماء لا ينصت لشيء ولا يبصر ما تحته ؟ أم أن هناك خلل ما في تعبير السلطة عن نفسها وعن تصوراتها كسلطة مسيطرة ؟

فالحرية لا تطرح إشكالات وألغاز في فهمها، ذلك أن الإنسان الحر هو المواطن الذي لا يخضع لعلاقة أساسها القوة، وإنما يمتثل لعلاقة أساسها القانون. فالحرية هنا ليست طبيعية تخول للفرد أن يفعل ما يشاء، لأن ذلك يعني إلحاق الضرر بالغير. فلما يقوم كل فرد بما يحلو له من تصرفات، فإنه في الغالب يقوم بما لا يروق للغير. فأساس الحرية هو عدم الخضوع وعدم الإخضاع في نفس الوقت، الحرية هي أن يخضع المواطنون للقانون وأن لا يكونوا خداما لأحد. الحرية هي أن يكون للشعب قادة وليس أسيادا.

فهل الشعب المغربي مستعد لكي لا يكون خادما للأسياد وألا يخضع للقوة ؟

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد