الإيديولوجيا والتاريخ

بقلم: محمد الطالبي

ترجمة: الأستاذ حسن بيقي

بدأ العالم الإسلامي، منذ مرحلة الاستعمار، بالبحث عن ايديولوحيا تعبوية تسمح له بالمقاومة واستعادة كينونته. وكانت الايدولوجيا الوحيدة المتاحة لتجييش الجمهور هو الاسلام. لقد كان اعتقاد الثالوث الإصلاحي: الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا مع بداية هذا القرن (ق20)، في أن الحل كامن في الحركة الاصلاحية المسلمة. بيد أن اخفاق هذه الحركة الاصلاحية السلمية ونكبة العالم العربي أمام اسرائيل عام 1948 أسهما في ميلاد المد الاصولي مع حركة الاخوان المسلمين المصرية. وقد تمكن المد الوطني العربي الناصري في فترة معينة من إزاحة الاصولية السياسية. غير أن الحركة الناصرية ستفقد مشروعيتها بدورها بعد نكسة 1967. وكان من تبعات الهزيمة أن سعى جمال عبد الناصر إلى التوسل بمشروعية أخرى تستمد سندها من الاسلام. على هذا النهج سار عليه كذلك صدام حسين بعد عقدين من الزمان أثناء قيادته لحرب الخليج باسم الاسلام. هكذا دأب الحكام دوما في استعمال الأداتي للدين كقوة تعبوية تحميسية. بل تمكن بن بلة في الجزائر مثلا، وهو القائد المتأثر بالماركسية إلى حد كبير، من تلبيس العنف الثوري لبوسا اسلاميا.

إن القران بين العنف الثوري وشرعية العنف الكامن في بعض الفرق الاسلامية كفرقة الخوارج، قد أسفر هذه الحركة الأصولية الحالية. لهذا السبب لا يمكن أن نخلي ذهننا من التفكير في الإسلام. في السودان مثلا وهب الجنرال النميري محمود طه قربانا للإسلاميين عندما كان ينوي التحالف مع الترابي من أجل انقاد نظامه العسكري.

بالنسبة لحال الماركسيين الأورتدوكس كانت تقوم رؤيتهم على رفض الدين في البلدان الإسلامية باعتباره “أفيون الشعوب”. بيد أن المشكلة هي: أنهم لا هم تمكنوا من تحقيق مسعاهم، ولا هم توفقوا في إرساء ماركسية “خالصة وصلبة” تؤول إلى قوة سياسية فاعلة، لأن القوى الجماهيرية لها موطأ قدم في تدين سائد ومنتشر بل مبثوث في كل مكان. فكان من جراء هذا الإخفاق أن دفع بالماركسيين إلى البحث عن زواج الفكر الماركسي وشعارات الداعية إلى المساواة في الاسلام. هكذا انبثق ميلاد اليسار الإسلامي في عديد من البلدان الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة لليسار المسيحي في الغرب. لقد حاولنا بشكل أو بأخر أسلمة الماركسية ابتغاء صناعة قوة سياسية فاعلة ومحركة في التاريخ.

إن التاريخ شيء ضروري. كل إنسان ذاكرة والتي هي درجة أولية في التاريخ. هذا الأخير قد يغدو مجرد سجل يقيد في صفحاته بطولات الأيام المجيدة للقبيلة في أشكال تكون في الغالب ذات مسحة أسطورية وخرافية. التاريخ يؤثث عقل الفرد المنتسب للقبيلة بزاد من التصورات والصور تتيح له امكانية الذوبان في عصبية القبيلة لدرجة أنه لا يكون فيها إلا جزءا لا يتجزأ من لحمة الشخصية الجماعية. بهذا المعنى يصير التاريخ عاملا مساعدا لاستدماج الفرد داخل الجماعة. إن هذا الدور الادماجي الذي يمارسه التاريخ هو دور يسري على كافة الشعوب. الأمة الحديثة مثلا لها ملامح معينة وسمها التاريخ فيها، وقامت الذاكرة بتدوينها، وانسابت في الحدود الجغرافية لوطن ما. إذا كان المواطن يعتبر حدود أمته شيئا مقدسا فلأنه اكتسب بواسطة الذاكرة الجماعية جملة تصورات وقيم تشعره بأنه جزء لا يتجزأ من الأمة. فمن خلال تدريس التاريخ نعهد للمدرسة مهام صب التلميذ في قالب الأمة، سالكة في ذلك مثال تدريس التاريخ كما كان سائدا في الغرب منذ القرن 19. عدا أن الغرب بدأ في التخلص من إرث المناهج العتيقة وما تثيرها من معضلات في هذا الشأن.

أليست الوظيفة الإدماجية المعهودة للتاريخ مجازفة من شأنها أن تحوله إلى سلسلة أساطير، من نوع الأساطير التي تحاول كل أمة أن تنسجها لأعضائها بدافع الحفاظ على عروتها الوثقى ؟ بلاشك يبقى هذا الخطر مثار قلق، على اعتبار أن التاريخ حينما يؤثر إلى هذا الحد على الذاكرة فإنه بمستطاعه أن يحول كل إنسان إلى عدو لجماعة إنسانية أخرى. إن هذه العدائية مبطنة لا تنتظر إلا فرصة أن تطفو على السطح أحيانا في شكل مسلح متضمخ بالدم وسقوط ضحايا مثل ما وقع في الحرب بين إيران والعراق والتي دامت زهاء ثماني أعوام. إن الاحالات التاريخية التي تم التلويح بها خلال هذه الحرب لها بعد دلالي: كربلاء من جهة، والقادسية من جهة أخرى (معركتان وقعتا بين العرب والفرس سنة 14 هجرية، 650 م). هكذا أجد نفسي متفقا مع عبارة الشاعر بول فاليري: “التاريخ هو أحد المحصلات الأخطر لكيمياء الفكر.”

ذلك أن التاريخ يزن أكثر قيمة من الحضارة. إنه من بين العلوم الإنسانية الأكثر اكتمالا والأخطر في الوقت ذاته. لأنه علم يحدث تأثيرا على الذاكرة التي تشكلت في العقل الباطن، وعلى الوعي، وعلى الزاد الثقافي، وعلى جملة آراء بإمكانها أن تجعل الإنسان أكثر استعدادا في آت من الأيام على مهاجمة جاره. لننظر إلى مسألة التضامن الكلاسيكي والضغائن بين العائلات المتأتية من تأثير التاريخ العائلي على ذاكرة الطفل. فما يوجد على مستوى أصغر خلية عائلية يوجد على مستوى الدول والجماعات البشرية الكبيرة.

إن هذا الأمر يدعوني وقت الكتابة أن أكون واعيا بشكل كامل بهول هذه المخاطر كيلا تحفظ في صدور قرائي العدوانية والكراهية، والعمل على إيقاف أن يصير التاريخ محكمة للمقاضاة والإدانة. بل أني أسعى بالأحرى أن يكون مقاربة شمولية دون أن يتحدد في إطار الجماعة التي أنتسب إليها. فمسعاي هو أن أكتب مثل إنسان يبحث أن يفهم الإنسان، حتى وإن كنت متأثرا بانتمائي للإسلام بل بالنص القرآني. صحيح أني غرفت من معين هذا الأخير، وقد سبق أن تعلمت الشيء الكثير منه عن ظهر قلب في صباي ومازلت استظهره كل يوم أثناء وقت صلاتي. وأرى في كلام الله شكل من أشكال الحضور. بل أجدني أنهي صلاتي دائما بالسلام يمينا وشمالا بعبارة “السلام عليكم”. إن الصلاة علمتني ومازالت أن أسلم على الناس يمينا وشمالا خمس مرات في اليوم. وأعتبر هذا السلوك التعبدي رمزا رائعا. عندما أكتب التاريخ كمؤرخ أمارسه وفق هذه الروح التي اجتذبها من طقس الصلاة. لهذا أود أن يكون التاريخ تاريخ رسالة وئام وسلام عبر الفهم الجيد للإنسان عوض أن يصير أداة إذكاء مزيد من العدوانية والعنف في الإنسان.

إن رسالة القرآن بعثت إلى الناس كافة، حيث مثلت دعوة محمد، خاتم الأنبياء، تغييرا جذريا في الرسالة الربانية. ومن باب التذكير كان منشأ محمد ومعاشه مجتمعا قبليا وثنيا وبالتحديد كان انتسابه إلى قبيلة قريش، وكانت الحياة السائدة فيها تعج بالنعرات العصبية القبلية والغزوات غير المنتهية. لكن يلاحظ أن لفظة قريش لم يتم التلميح إليها في القرآن كله إلا مرة واحدة (سورة قريش/1)، علما أن لا إشارة لأي قبائل أخرى، ولا إلى العرب عامة. وحتى وإن كانت الإشارة أحيانا إلى الأعراب (نستعمل نفس الجذر كما هو الأمر في كلمة “عرب” على حد سواء من أجل تعيينهما). فليس من باب وضعهم في منزلة خاصة في الدعوة النبوية، خلافا للتوراة التي كانت رسالة بعثت إلى ذرية إسرائيل. بهذا المعنى فالدعوة تبعث دائما إما إلى الإنسان بوصفه فردا مسؤولا عن نفسه) “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”سورة الزمر/7)، وإما إلى كافة الناس أجمعين (“وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون” سورة سبأ /28). هكذا شرعت الدعوة القرآنية لعصر جديد داخل الشرط الإنساني. وعليه فإن المجتمعات المنطوية على ذاتها هي مطالبة منها أن تعي نسبها الأول”من ذكر وأنثى”، أي أنها تشكل عائلة واحدة تحت اسم”عائلة الرب”. وفي قلب هذه العائلة لا تؤول الاختلافات والخصوصيات عامل نبذ متبادل، بل عامل محبة وتعارف متبادل. “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (سورة الحجرات/ 13). بهذه الكيفية الرائعة، والتي لم تكن تماما متوقعة في سياق نزول الآية، تمكن القرآن بأن يسمو بمنزلته إلى حد إرساء مثال لم نستطيع إلى حدود الآن أن ننجزه، أي تحقيق مثال وحدة النوع البشري. فمهما بلغت قوة الروابط بين الناس لجماعة ذات سند دموي أو ثقافي، فإن الرب دعا كافة الناس دون استثناء ألا ترى في الاختلافات والخصوصيات، والتي وهبت لهم، إلا مناسبة للتباري في التقوى، أي في فعل الخير.

وأنا بدوري قمت بقراءة تاريخية للآيتين (34 و35) في سورة النساء (“هل ينبغي تأديب النساء بضربهن؟ قراءة تاريخية لسورة النساء، الآية 34 والآية 35 في مجلة المغرب العربي عدد مزدوج 182 و183، تونس 1989 بالعربي، و”حماية المرأة المسلمة في العصر الوسيط” مجلة 15/21، عدد 12 تونس)، حيث استخدمتا في آن معا من قبل أولئك الذين يتخذون مضمونهما مطية لتحقير وضرب نسائهم، وكذلك من أولئك الذين يودون الإساءة إلى الإسلام. كانت هذه المحاولة ذات منحى تاريخي وانتروبولوجي، مع ما تنطوي عليه من صعوبات، لأن ما في متناولنا لتفسيره كتابات غير معاصرة للنص ذاته. وقد تبين من هذه الدراسة أن الإسلام لا يسمح بتأديب الرجل للمرأة بضربها أو إذلالها رغم شيوع هذه الظاهرة واقعيا إلى الآن، لا فقط في الدول المسلمة بل أيضا في بلدان الغرب. ذلك أن أي مسعى يشمل الجزء الأول الذي يجتمع فيه المؤمن وغير المؤمن لقراءة إعدادية يمكن أن تكون انتروبولوجية، اتنولوجية، سيكولوجية، بل تحليل نفسية. فبعد استنفاذ كل المساعي المتوفرة لدينا، تأتي لحظة يتساءل فيها أهل الإيمان عن الكيفية التي تدمج فيها هذه القراءات وفق طريقة تفكيرها. ستغدو هذه القراءة إذن مغايرة لقراءات الآخرين دون أن تكون لا أقل ولا أكثر منها.

إن المؤرخ المسلم، في علاقته بالنص الديني، يتوجب منه دوما أن ينطلق من قراءة انتروبولوجية. هذا لا يعني أنه يعتبر مثل هذه القراءة غاية في حد ذاتها. بل إنها بالأحرى مرحلة ابستيمولوجية وميتودولوجية تروم النفاذ إلى معنى النص، في نقطة انطلاقه وفي هدفه، مما يسمح بإظهار الحلول وتحديد المسار الذي ينبغي نهجه والذي ليس إلا “الطريق المستقيم”. لأنه الطريق الذي دعا الله بالسير على هداه، لكنه ليس طريقا تم ترسيمه مرة واحدة وإلى الآبد، إنه مسار على هداه نسير بلا توقف.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد