تدريس الفلسفة وتكوين المواطن النقدي

بقلم محمد الهلالي

لنقل منذ البداية أن تدريس الفلسفة بالمغرب فضيلة وضرورة. وأن الحس النقدي لا يتشكل كحس نقدي بالذات إلا عبر التفلسف. والتفلسف يعني القدرة على الاندهاش والتمكن من المساءلة وخوض غمار البحث لبلوغ أجوبة تظل قابلة دوما للتطوير والإغناء.

فالتفكير ليس حكرا على الفلسفة، بل ترفض الفلسفة التفكير إذا كان مجرد تأملات ونقاشات. كل المجالات تمارس التفكير، لكن ما هو المجال الفكري الذي يمكن الإنسان من مساءلة ذاته وأفكاره ويقينياته وقدراته ومآسيه وماضيه ومستقبله بكيفية غير وثوقية ولا تدعي العلمية في آن؟ إنه المجال الفلسفي.

لنا في تاريخ الغرب دليل أساسي على ضرورة الفلسفة، فلقد كانت وراء التحولات الفكرية والسياسية والعلمية الكبرى. فلا يمكن الحديث عن المنهج والفرد القائم بذاته والذات المفكرة والشك المنهجي بدون الحديث عن ديكارت، ولا يمكن الحديث عن حدود استخدام العقل والسلم ومجتمع الأمم والحرية والمسؤولية الأخلاقية والكرامة دون الحديث عن كانط، ولا يمكن الحديث عن الحرية والقلق والالتزام والمسؤولية دون الحديث عن سارتر…

ولنا دليل آخر في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية مع المعتزلة والفلاسفة. أما المعتزلة فقد دافعوا بالعقل عن العقيدة الإسلامية واستعمال المنطق والبرهنة وخوض غمار إثبات العدل الإلهي وحرية الإنسان ومسؤوليته، وتأويل ظاهر النصوص القرآنية المعارض للنصوص التي تتوافق مع مقتضيات العقل البشري لكي يحصل الانسجام وتتم سلامة المذهب. ولقد دفع الاختلاف بين ظاهر الآيات إلى تشكل فرق دينية سياسية مثل الشيعة والخوارج والمرجئة، وفرق فكرية مذهبية مثل الأشاعرة والمعتزلة. أما الفلاسفة العقل استعمالا لم يسبق للعرب من قبل أن عرفوه.

انطلاقا من هذه المعطيات ومن ضرورة التكوين النقدي للمواطن تبرز أهمية الفلسفة وأهمية تدريسها، لكن كيف سيتم هذا التدريس؟ وما هي الأهداف المتوخاة منه؟ هل هي أهداف نابعة من الفلسفة ذاتها أو أنها مملاة من جهات أخرى؟

ساد اعتقاد لوقت طويل، ولازال معمولا به في بعض الدول الغربية التي تدرس الفلسفة في مدارسها، بأنه يجب أن تدرس الفلسفة في السنة النهائية من الباكالوريا نظرا لضرورة توفر أمرين أساسيين وهما:

– نضج المتعلمين

– تراكم معرفي ضروري.

فالتراكم المعرفي الضروري هو الذي يمكن المتمدرسين من التساؤل فلسفيا عن المعارف التي تلقوها إلى حدود ما قبل دراستهم للفلسفة بطريقة غير نقدية، بحيث لا يمكنهم، على سبيل المثال، تعلم الرياضيات والتفكير النقدي في الرياضيات، كما لا يمكنهم تعلم اللغة ومساءلة هذه اللغة في نفس الوقت مساءلة إشكالية؟

إن تدريس الفلسفة في السنة النهائية من الباكالوريا يهدف إذن إلى تحصين المتمدرس ضد البداهات الضارة والقبول السلبي بكل المعارف فيما يشبه التسليم الشعبي ببركة الأولياء والصالحين، وحشو الذاكرة بالمعلومات دون القدرة على تكوين موقف شخصي نقدي تجاهها.

وإذا كان التفكير في تدريس الفلسفة قد تطور في الغرب بحيث صار من الممكن بيداغوجيا ومعرفيا تدريس الفلسفة عبر تدريس مفاهيم فلسفية بطرق مبسطة وملائمة للأطفال عبر دمجها بمواد ونصوص مقررة، فإن ما يثير القلق عندنا هو الغاية من تدريس الفلسفة لمراهقي الجذع المشترك؟ هل يكفي حبنا للفلسفة للقيام بذلك رغم عدم توفر النضج الزمني والتراكم المعرفي ؟ هل توفرت وسائل وإمكانيات تجعل تدريس الفلسفة لهؤلاء الأطفال الكبار نوعا من التسلية المفيدة؟ ألم يكن من الأجدى تدريسهم مؤلف أو مؤلفين في السنة تكون لهما علاقة بالمساءلات الفلسفة العامة وتمكنهم من الاستعداد للتفلسف بعد ذلك؟ ألا يؤدي تدريس الفلسفة خارج شروطها وبوسائل لا تتلاءم مع متطلباتها إلى قتل الفلسفة ذاتها بحيث تبدو ألغازا وعوائق وتجريدا غامضا؟ أم أن هناك مهمة تاريخية تتجاوز كل هذه الاعتبارات وتتطلب التضحية ببعض الجوانب والشروط الضرورية لتدريس سليم لهذا النوع من التفكير؟ والمقصود بالمهمة التاريخية هو “تكوين عقل نقدي منفتح على الغير متسامح قادر على استيعاب ثقافة عصره والانخراط الإيجابي في واقعه”. أليس هناك خلط مؤسف لتدريس الفلسفة للأطفال (وهو التصور الذي طوره العديد من الباحثين مثل: ليبمان Lipman ودِلسول Delsol وطوزي Tozzi وليفين Lévine وشيروتر Edwige Chirouter وأورياك سلوزاركزيك Emmanuèle Auriac-Slusarczyk ) وتدريس الفلسفة لمراهقي الجذع المشترك؟ ألم يكن من المفيد تضمين المقررات الموجهة للأطفال تصورات فلسفية مبدئية توجيهية عامة عوض تدريس الفلسفة قبل السنة النهائية من البكالوريا؟

تتطلب الفلسفة مناخا حرا واستعدادا لممارسة الحرية والدفاع عنها، وقدرة على المساءلة النقدية لكل الموضوعات بحيث لا يوجد هناك محرم لا تتطرق له مطرقة التفلسف التساؤلية، دون أن يعني ذلك أن الفلسفة تهدف إلى ترسيخ فكرة معينة علمانية أو دينية. فالأغلبية الساحقة من الفلاسفة يدينون بدين ما، ولا توجد إلا أقلية نادرة من الفلاسفة الذين شيدوا مذاهبهم الفلسفية خارج أي دين. وهذا ليس حكرا على الفلسفة وحدها وإنما نجد نفس الأمر في العلوم الحقة والعلوم الإنسانية والسياسة والفن… إن مهمة الفلسفة ليست هي محاربة فكر ما، ليست هي الحرب ولا هدم فكر ما، وإنما التمكين من امتلاك القدرة على التفكير النقدي الذي يتجسد بشكل مختلف من شخص لآخر، لأن ما يمكن تعلمه في حقل الفلسفة هو القدرة الشخصية على التفلسف.

فإذا كان الهدف من تعميم تدريس الفلسفة لمراهقي الجذع المشترك هو تحصين المتمدرس من الانخراط في فكر يتناقض والتكوين السليم للمراهق فإن النتيجة ليست مضمونة نظرا لانعدام النضج وعدم توفر المعرفة الضرورية للتفلسف، مما يعني أن النتائج قد تكون عكسية.

لقد انتبه الغربيون إلى أن آخر درس في مقرر الفلسفة يجب أن يكون هو “ما الفلسفة” لأنه لا يمكن تعريف الفلسفة إلا بعد التطرق لنماذج من التفكير الفلسفي للفلاسفة مطبقا على عدة مفاهيم مثل الوعي واللاوعي، الغير، الرغبة، الطبيعة والثقافة… إلخ، أما في المغرب، فإن أول درس مخصص لمتمدرسين غير ناضجين وغير مهيئين معرفيا هو “ما الفلسفة” ؟

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد