حين تتمرغ المرأة في وحل القهر وتجُر خيبات الانكسار

الشاعرة مالكة عسال

مقدمة: لمجموعة قصصية بعنوان: “15 ذبْحة منْ مذبوحات في خمّ الخسارة” للمبدع جمال الحنصالي

فتَحَ الإبداع المغربي بوابته على منجز جديد في جنس السرد يتركب من 15 أقصوصة، تحت عنوان “15 ذبحة من مذبوحات في خم الخسارة”، عنوان شاعري صاغه مبدعنا جمال الحنصالي من ألفاظ متداولة بأسلوب إيحائي تخييلي رمزي له أبعاد أخرى عميقة…

فكلمة “ذبحة” تعني لغويا: ألمٌ نَوْبيّ وضيق بالصَّدر مع إحساس بالاختناق أو الإشراف على الموت، يسبّبه سوء إمداد الدَّم إلى عضلة القلب. أو تعني قطع الأوصال والعروق بآلة حادة كسيف مثلا أو مدية أو خنجر، أو ما إلى ذلك تؤدي إلى فصل الرأس عن الجذع كليا أو جزئيا …لكن مجازيا تعني القتل النفسي بألوان من الجراح، تبقى كدماتها عالقة بالمهجة مدى العمر، ينتج عنها التمزق النفسي الذي يستحيل معه أحيانا اندماج الفرد في المجتمع، قد يترتب عن ذلك التشرد أو الإكتآب أو الانتحار.. وأديبنا لم ينتق العنوان اعتباطيا، أو بشكل فوضوي، بل صاغه من خلال رؤيا ثاقبة، وحدس قوي كعين مجهرية تمرر على مرآتها الإنسان/المرأة بالخصوص إبان أوضاعها وواقعها المعيش، وعلاقاتها بالمحيط؛ حيث خصص لها الحيز كله بالصورة والحرف، فوقف على مختلف أوضاعها، وألوان القهر والمشاق التي تتجرع مرارتها، فشخص الوضعية الصعبة للفتاة التي تعيش أزمة الأب المجهول، تتلمض من حر تناسل الأسئلة لترسيخ الهوية، فتجر خيبات ركام من الاستفهامات لا جواب لها .. والمرأة ضحية الطلاق التي تصبح لقمة سائغة في فَم العابثين بالشرف من أجل العيش ولو دون كرامة، والمرأة ضحية الغدر حين يُسْلَب منها كل شيء فتتمرغ في الوحل تجر أذيال الخطيئة، والمرأة التي تغتنم الفرص بتحقيق بعض المزايا مقابل تدنيس شرفها عبر الفراش.. وغيرها من التيمات التي شخصها أديبنا جمال الحنصالي بدقة في هموم المرأة بين ثلة من البشر لا يعرفون للإنسانية سبيلا، فيدوسون كرامتها ويسلبون حقوقها، ويجهزون على شرفها بطريقة غير شرعية، الشيء الذي يجعلها بئيسة أمام المجتمع، أو تصبح سريرتها أضحوكة على ألسن قريناتها..

وحتى يصفد مبدعنا القارئ بأنكاله الذهبية، طعّمَ النصوص بلوحات تشكيلية كفاتحات تصب كلها في بوتقة المرأة وما تعانيه، بوعي منه أن المرأة هي الكف الثانية بعد كف الرجل التي بدونها لا يستطيع المجتمع التصفيق، أو الشق الثاني بعد شق الرجل التي بها تكتمل الوحدة لتشكل لبنة أساسية لبناء المجتمع، أو النصف الثاني للمجتمع بعد الرجل التي بدونها لا يمكنه الرقي والوصول إلى المأمول، أو المرأة الأخت أو الأم أو الابنة أو الزوجة أو الحبيبة.. فأحب أن يكشف الغطاء عن طبقها ليجهر بالمستور المخفي الذي ترزح المرأة تحت نير ظلماته وظلمه، فتعيش تحت حصار أوضاع مزرية قاهرة، ليوصل صوته إلى الرأي العام بنية الفضح، أو تبليغ رسالة نبيلة مهمة على أن المرأة كائن إنساني لها من الواجبات والحقوق مثل الرجل، ويجب أن تعيش بنفس الكرامة وكافة الحقوق على قدم ومساواة…

لقد كسرت نصوص الأديب جمال الحنصالي السردية الطابع التقليدي المباشر بكل قرائنه، لتضرب أطناب الحداثة في أعمق تجلياتها، متمردة على جميع المستويات التركيبية التخييلية العادية، فابتعدت عن المعنى العادي الذي يبلغه القارئ بسهولة وينتهي كل شيء، وتدفقت شعرا بكثافة المعاني وغور الدلالة، يقولها الإيقاع الداخلي في همس الكلمات المصاغة في صور شعرية تتلبس المجازي والإيحائي، تخاطب في القارئ تخييله وحدسه كما توضح العبارات التالية:

“هذا سفر سرمدي لا يقف إلا عند محطة الأنس، حيث يحلو الوقوف على أرصفة زقاق العشق المنثور حبات فستق مقرمش..”…

و”جلستْ تحتسي عصير وجع وحدتها”..

عرف أديبنا كيف يصوغها في أسلوب شيق مرصع بتشبيهات طرزت اللغة بالمدهش الصادم، يزيد القارئ متعة واستمتاعا كما يقول:

“على كتفها كجندي أصابته رصاصة مجنونة”..

ولا يقف أديبنا عند هذا الحد، بل وأضاف إلى اللغة تنميقا واسعا بمساحيق المقدس، فنحت من الآيات القرآنية ما زاد اللغة متانة وعمقا، نظرا لما ينطبع به القرآن من بلاغة في اللفظ، وقوة في المعنى، وتسلسل في الأسلوب.. كما يبدو:

“في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم..”.

“والجبال بسّت بسا”.

“وفي جيدهم حبل من مسد..”.

فجعبته أديبنا الممتلئة التي لملم ثقافتها من الماضي والمحيط، ومخلفات الأسلاف، إضافة إلى التحكم بحنكة ومراس في آليات اللغة، خولت له التلاعب باللغة ومراوغتها، وإنطاقها بالمدهش، فأبان عن مهارته العذرية في تصفيف ألفاظها كما نرى في هذا المقتطف الرائع:

“وأضحت جمُلة غير مفيدة تلعب بها أحذية فقهاء اللغة على عتبة مسجد عتيق”…

وتوشيحها بالدارجة في أسلوب ساخر يدغدغ مهجة القارئ كما نلاحظ:

“ما عسانا فاعلان أيتها “المسخوطة” ؟”… “مازال مادرتو في الطاجين مايتحرق”، تارة معتمدا التكثيف وأخرى التفسير المطنب بأسلوب مهلهل كما التالي:

“مولاي علي يؤم الناس ويؤذن، يذبح الناس.. عفوا يذبح الديكة”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد