بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس
“المواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين، وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم، وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغييرهم بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم.
لذا، أوجه النداء لكل الناخبين، بضرورة تحكيم ضمائرهم، واستحضار مصلحة الوطن والمواطنين، خلال عملية التصويت بعيدا عن أي اعتبارات كيفما كان نوعها.
كما أدعو الأحزاب لتقديم مرشحين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة، وروح المسؤولية والحرص على خدمة المواطن”
من خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش المجيد 30 يوليوز 2016
مع اقتراب موعد انتخابات السابع من أكتوبر القادم، يعود السؤال/ الإشكالية المتعلق بضعف المشاركة في التصويت ليطرح نفسه بحدة مرة أخرى، مثيرا مزيدا من القلق لدى مسؤولي الدولة والأحزاب السياسية والنخب والمجتمع المدني، علما أن الجميع يراهن على الانتخابات التشريعية القادمة لتحقيق قفزة نوعية في مجال الممارسة الديمقراطية ببلادنا، بما يؤهلها لمواجهة التحديات المقبلة.
فالاستحقاقات الانتخابية السابقة كشفت لنا، كمتتبعين وسياسيين، ما يعانيه الحقل السياسي المغربي من هشاشة على مستوى المشاركة السياسية في نطاقها الواسع، وانعكاس ذلك على مستوى المشاركة الانتخابية وما يخلفه من تداعيات وآثار سلبية في سلوك ووجدان المواطن، وهو ما يطرح سؤالا عميقا حول أسباب ومسببات هذا العزوف لقطاع واسع من شرائح المجتمع عن المشاركة السياسية، رغم الجهود التي تبذلها كل الجهات المعنية من أجل إقناعه بالمشاركة كناخب وكمنتخب في العملية الانتخابية.
وإذا كانت المشاركة السياسية هي مجموع الأنشطة والسلوكات التي يقوم بها المواطن بصفة إرادية بغية إحداث نوع من التأثير المباشر أو غير المباشر على مستوى اختيار المنتخبين محليا ووطنيا والمساهمة في تدبير الشأن العام وصناعة القرار، قصد تحقيق الشعور بالمواطنة وخلق نوع من التوازن بين الحقوق والواجبات وإمكانية توجيه المواطنين لمطالبهم وحاجياتهم إلى صناع القرار ومحاسبة ومساءلة القائمين على تدبير الشأن العام، فإن العزوف الانتخابي لا زال من المظاهر التي تشكل عرقلة حقيقية للممارسة الديمقراطية الحقة ببلادنا وعائقا أمام تطويرها مؤسسيا وتشريعيا ووطنيا وجهويا ومحليا.
فالمغرب كدولة وأحزاب ونخب ومجتمع مدني ومؤسسات، أمام محك اختبار حقيقي، حيث لازال النقاش والجدل طاغيا على الساحة السياسية، بالإضافة إلى صراع بعض الأحزاب فيما بينها لتقديم نفسها في ثوب الجدير بالأهلية والزعامة (…)، في الوقت الذي يجب أن يكون الرهان الحقيقي قائما حول مدى نجاح الطبقة السياسية الوطنية في استرجاع ما فقدته من مصداقية لدى المواطن بسبب الأخطاء والانزلاقات والخروقات التي وقعت في الاستحقاقات السابقة والتي أثرت بشكل كبير على نفوس المواطنين، خاصة الشباب منهم الذين يعاني جزء كبير منهم من البطالة والأمية والتهميش.
لا بد هنا من الإشارة إلى أن الانتخابات التشريعية لـ 7 شنبر 2007 لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 37 بالمائة، على الرغم من أنها ارتفعت إلى 45 بالمائة عند إجراء الانتخابات التشريعية لـ 25 نونبر 2011، إلا أنها بقيت دون المأمول، وبالتالي لم يعد ضعف المشاركة الانتخابية مفاجئا لدى مختلف الفاعلين السياسيين، بل صار أمرا واقعا لا يمكن إنكاره أو التخلص منه، مما حذا بجلالة الملك محمد السادس إلى الحسم في هذا الموضوع بدعوة الأحزاب إلى حث المواطنين على المشاركة الواسعة والمكثفة في الانتخابات، إذ أكد جلالته في خطاب العرش لهذه السنة، على أن المواطن مسؤول في اختيار من سيمثله في البرلمان، وعدم ترك المجال للذين يريدون أن يعيثوا فسادا داخل الرأي العام بما يبثونه من أوهام ومغالطات وتأويلات، حول مآل العملية الانتخابية، في حال عدم فوزهم بالأغلبية، وكأن مصير البلاد موقوف عليهم، علما أنهم يشكلون فقط جزءا من المنظومة السياسية القائمة على التعددية السياسية، وفق ما ينص عليه الدستور.
ومن ثم، شدد جلالة الملك على أهمية “المناسبة الفاصلة”، والتي تعني في ما تعنيه أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة لن تكون فيها الانتخابات مجرد آلية لوصول الأحزاب إلى السلطة، وإنما لتكون للمواطن فيها الكلمة الفصل، حيث يتعين عليه دعم العملية الانتخابية “بالمشاركة فيها”، “مشاركة موصولة لا تنحصر في يوم الاقتراع، بل تتطلب الانخراط الدائم في أوراش التنمية والمواطنة”، وأن الإدلاء بصوته لا يعني اختيار من يمثله للسنوات الخمس المقبلة فقط، وإنما يحدد مستقبل أبنائه وبلده، وعليه ألا يرهن مصيره ببيع صوته وضميره لمن لا ضمير ولا أمانة له”.
إن نتائج انتخابات 2011، تفرض اليوم كما جاء في التوجيهات الملكية السامية، تسخير كل الوسائل الممكنة واتخاذ التدابير الضرورية من أجل ضمان مشاركة واسعة في الانتخابات، من خلال:
أولا: دعم الأحزاب وتمكينها من لعب دورها الدستوري الكامل ليس فقط في تأطير المواطن، بل في تكوينه تكوينا سياسيا سليما، بعيدا عن منطق المزايدات الشعبوية والإيديولوجية، ودعاوى التبخيس من الأحزاب الأخرى؛
ثانيا: إشراك المجتمع المدني في عملية التحسيس بأهمية المشاركة في الانتخابات؛
ثالثا: توظيف إمكانات الدولة لحث المواطنين على التصويت حتى لا تتكرر ظاهرة الامتناع عن التصويت خلال الانتخابات التشريعية 2011، والتي بلغت 45 بالمائة، رغم الجهود التي بذلتها الدولة لحث المواطنين على الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع يوم 25 نونبر 2011؛
رابعا: ضرورة مشاركة مختلف وسائل الإعلام، سواء المرئية أو المكتوبة أو المسموعة أوالإلكترونية، في توعية وإقناع المواطنين بأهمية المشاركة في الانتخابات، وتقديم إعلانات ووصلات إشهارية تبرز أهمية المشاركة الانتخابية.
فإذا كانت الانتخابات التشريعية فرصة ذهبية لتغيير الأوضاع المعيشية للمواطنين وتحديد الخيارات الكبرى التي يجب اتباعها نظرا للأهمية التشريعية التي يحظى بها البرلمان والقرارات التي تتخذها الحكومة، فإنها لن تستطيع تحقيق الأهداف المرجوة منها في غياب الوعي السياسي والإقبال من لدن الناخب، الذي هو مطالب بدوره بتحديد اختياراته، والوعي بأهمية صوته في تغيير أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، وتمحيص و”غربلة” المرجعيات المؤسسة للأحزاب المغربية وطبيعة البرامج التي تدافع عنها، وكفاءة أطرها، حتى لا يفاجأ مستقبلا بقرارات وتوجهات قد تصدر عن الحكومة، التي ستتولى تسيير الشأن العام، ويجدها تتعارض مع حاجاته اليومية وتطلعاته التنموية.
فهل ستكون انتخابات السابع من أكتوبر المقبل قادرة على استرجاع تلك الثقة المفقودة، ومرحلة قاطعة مع ظاهرة العزوف الانتخابي؟!