عبد الله أيت سي
الكتابة ليست فقط غداء للعقل ودواء للروح البشرية ،إنها أكثر من ذلك بكثير فهي التي تبين بالملموس حجم الوعي الموجود في التشكيلة الاجتماعية وتظهر ماذا تقدم شعب ما ،فالكتابة غالبا ما تكون وفق ميولات الشخص الفكرية وكيفية تحليله لواقعه الذي يعاينه ،ولكنها تصبح بدون معنى إن لم تكن نابعة من إحساس داخلي للفرد يوقظ فيه ذلك الشعور بالمسؤولية إتجاه مجتمعه، آنذاك فقط تعطي مفعولها وتساهم في النقاش الجاد والحوار الهادف والبناء بغية تطوير وتسريع دوران عجلة التاريخ وتقدم المجتمع. يجب أن يتم تسليط الضوء هنا في الكتابة على كل تلك التناقضات التي يفرزها الصراع الطبقي لتشكلته الإجتماعية ،فهنا يكمن المعنى الحقيقي لأي إنتاج فكري وفلسفي و علمي و فني ،هو ما مدى مساهمته في تحليل الواقع الملموس وتقديمه لبدائل ممكنة، ومامدى تعريته لأيديولوجية الطبقة المسيطرة وكيف تستغل الدين والثقافة والتقاليد بغية إدامة سيطرتها على مراكز القرار داخل الدولة و على المجتمع ،إنطلاقا من ذلك تكون الكتابة قد قامت بدورها الحقيقي، لهذا يتم محاربة الكتابة الهادفة التي تطرح أفكارا جديدة وتعري المقدس في الدين والسياسة و الاقتصاد. بوقوفنا هنا لحظة تأمل واستحضار واقعنا المغربي ،سنجد أن الكتابة الجادة ظلت دائما محاصرة سواء من طرف التكتل الطبقي المسيطر ومن يدور في فلكهم، وحلت محلها كتابة فوضوية خصوصا في مواقع التواصل الإجتماعي، هذه الأخيرة لا تنتمي لأي جنس بل افرزها واقع التردي في المدرسة العمومية الذي تم تخريبها منذ أن تم إغلاق شعبة الفلسفة في الجامعات وحلت معها فيما بعد الفكر الإسلامي، أضف إلى ذلك هبوب رياح العولمة مما سيساهم في إضعاف قدرات هذا الجيل على النقاش الفكري وحل محله نقاش سطحي ،وأحيانا يتجاوزه ليصبح مجرد سخرية على واقع مأزوم من جميع النواحي العلمية و الثقافية، إن الكتابة هي ضمير المجتمع الحي إنها تواكبه و بها يمكنه أن يتقدم أو يتأخر . فرق كبير أن تكتب أي شيء، وأن تكتب كتابة مستهدفة تروم من ورائها غاية نبيلة، وتود أن ترسل من خلالها رسالة هادفة للقارئ وعبره للمجتمع تعري بها حقيقة زائفة أو تفضح بها واقعا ،فرق كبير بين أن تناضل في زمن الردة والتراجعات وأن تنتظر هبة شعبية لتخرج إلى الميدان وتلتقط صورة بهاتفك الخلوي لتؤكد وجودك، فرق أن تناضل وأنت مريض ،أن تتحمل مسؤولية تنظيمية في وقت عصيب ،فرق أن تأتي من العمل وتشرب قهوتك المسائية وتعطي جزء من وقتك لأصدقائك على الرغم من أنهم لا يفعلون نفس الشيء معك ولكن لمعرفتك بأخلاق الصداقة تقوم بذلك، فرق أن تعود باكرا الى منزل عائلتك لتجلس معهم وتناقش وتتبادلون الرأي والأخبار على الرغم من أنك متعب وترغب فقط في النوم، فرق أن تعتني بوالديك وتقف معهم في أوقات الشدة وإن فقدتهم أن تترحم عليهم وتقرأ السلام على روحهم كلما تذكرتهم وإن كنت تحبهم ستفعل ذلك صباح مساء، فرق أن تسأل عن اخوتك واخواتك وأن تحبهم كأنهم مازالو أطفالا وان تقف معهم في مشاكلهم، وأن تكون فقط أناني تحب نفسك، فرق أن تحمل فكرا وثقافة وتحاول جادا نقلها لمن لا يتوفرون عليها وأن تبقى حبيس ذهنك تتفاخر بها في أوساط نخبة ممن هم مثلك، هناك فرق في أن تحب حبا نقيا وصافيا بدون طمع ولا خوف وأن تحب فقط بنزوة عابرة حتى وإن إستمرت تصبح حيوانية، فرق بين جيل سنوات الرصاص وجيل اليوم والجيل القادم وما بين ذلك وذاك ،نتمنى أن يأتي جيل موحد همه أن يفك قيد الوطن الأسير، ويحرث الأرض ويصنع ويمارس السياسية بأخلاق عالية ويحب الخير للجميع وليس لنفسه فقط،يحب الوطن يضحي من أجل الخير الأخلاقي المشترك، يحب ببراءة وينجب بعقل ويربي بعلم ويتخذ من الحياة أمل يزرعه أينما حل وارتحل يحب الإختلاف، يناقش بمسؤولية، يحترم الآخر ينتج في كل الميادين، يكف عن العنف المادي والمعنوي، هناك فروقات كثيرة لاشك أنها مجردة من أي إرتباط مع الواقع الملموس ،لهذا فالكتابة يجب أن تكون دائما في علاقة جدلية بين النظرية و الممارسة ،فلا يكفي أن تكتب عن الأسرة و المجتمع و الأخلاق و السياسة و الفن ،و أنت في واقعك المعيشي تمارس غير ما تنظر له و تكتب عنه ،بمعنى آخر فإن كتابتك لا تعني شيء إذا لم تكن منطلقة من ذلك الإحساس الفلسفي بضرورة خلق توازن بين الفكر و الممارسة . كثيرون اليوم حول الكتابة في كل المجالات و لكن قليلون هم حول الإنسان، قليلون من هم يكتبون للإنسان من يختلطون بكافة فئات الشعب لينقلوا معاناتهم و يقدموا لهم حلول لمشاكلهم الآنية و ليس للكتابة من أجل الاسترزاق على همومهم و معاناتهم ،فلا فرق بين الكاتب الانتهازي و السياسي إلا بخيط تشبتهم بخدمة الجماهير و ليس استخدامها ،قد يطول الحديث عن الكتابة و لكن يبقى التمييز بين السوفسطائية و بين الكتابة العلمية النقدية و الموضوعية هو مربط الفرس في تصنيفها .