موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
يتذكّر كثيرون من جيل تعليم ما بعد الاستقلال نصا في أحد الكتب المدرسية المخصصة للتعليم الابتدائي عنوانه “يوسف يمثل أباه”..
وملخصه كما احتفظت به ذاكرة كاتب هذه السطور منذ زهاء أربعة عقود أن طفلا اغتنم وجودَه وأصدقاءَه في بيت أسرته وغياب والديه ليرتدي ثياب أبيه وظهر فيها بهيئة فضفاضة مضحكة، ثم شرع في تقليد طريقة كلام ومشي.. وباقي سلوكات أبيه.. وضحك أصدقاء يوسف الذي مثَّل أباه.
أستحضرُ كثيرا، خلال الأيام الأخيرة، هذا النص الطريف من “خزّان” ذاكرة طفولتي المدرسية، بالتوازي مع معاينة العمل القائم على قدم وساق ل”صناعة” شخصية سياسية وتدبيرية في مغرب اليوم من لاشىء.
أقصد بطبيعة الحال “إلياس العماري” رئيس حزب السلطة “الأصالة والمعاصرة”.
فكما هو معلوم، إن هذا الرجل القصير القامة المنطفىء النظرات، المنحدر من بادية الريف، لا يتوفر على تكوين تعليمي ولا مسار مهنيا يؤهله لشغل وظيفة يكسب منها قوته، لكنه أصبح وهو الحاصل على شهادة التعليم الابتدائي (يقول إنه يتوفر على شهادة البروفي-نهاية التعليم الإعدادي- لكنه لم يُدلِ بما يثبت ذلك) رجلا نافذا في مغرب اليوم بفضل “مواهب” أخرى تحتاج إلى تحقيق قضائي لمعرفة طبيعتها وحيثياتها لأنها لا تمت بصلة إلى مجالات الحياة المهنية المعروفة التى يؤطرها القانون، سيما أن الرجل أصبح في ظرف زمني قياسي من كبار الأثرياء في البلاد بمصادر إثراء غير معروفة.
هذا الرجل، يتم “إعداده” حاليا ل”يلعب” دورا أكبر من ترؤس حزب قيل له “كُن فكان” وأكبر من رئاسة جهة طنجة الحسيمة تطوان ومن “تدخلاته” من خارج الإطارات الدستورية والحكومية.. أي المؤسساتية في أداء مرافق عديدة للدولة وذلك بشهادة عدد من المسؤولين السياسيين، لدرجة أن رئيس الحكومة “بنكيران” لقبه ب”السلكَوط”.. هذا الرجل يتم إعداده لرئاسة الحكومة.
لهذه الاعتبارات كان من الطبيعي أن يحس “إلياس العماري” أنه “يلعب” أدوارا كبيرة لا تتناسب و”مؤهلاته السرية” التي لا يمكن الاعتداد بها حينما يتعلق الأمر بالعمل السياسي والتدبيري الجاد على أعلى مستويات الدولة.
إنه وضع محرج فما العمل؟
لقد اكتشف “إلياس العماري” الحل، أن يمثل أباه!
ألح رئيس حزب “البام” حين استضافته مؤخرا في قناة “بي بي سي” بالعربية أن يتم تصوير حلقة استضافته في مكتبة عامرة ببيته في حي الرياض الراقي بالعاصمة الرباط، فعل ذلك ليشير في إحدى لحظات تصوير المقابلة إلى رفوف الكتب ويقول: “هذه هي ثروتي الحقيقية”!
حقا؟
هل يقرأ “إلياس العماري” الكتب؟
ثمة ما يفيد شكا ثقيلا..
انقروا اسم “إلياس العماري” في موقع “يوتوب” للأشرطة وستجدون عشرات المقابلات التي أُجريت معه تحدث فيها عن “المكنسة” بطريقة أثارت سخرية طلبة استمعوا إليه ذات مناسبة جامعية، ورطن أحيانا بمفاهيم أكاديمية من قبيل “الحداثة” وحين يسترسل في الكلام تكتشف أنه لا يعرف عن مثل هذه المصطلحات سوى أسماءها.
بصدد الحداثة فإن إلياس الذي يمثل دور الحداثي قال ردا على الفقيه الريسوني الذي قال بإلغاء الفصل 222 من القانون الجنائي الذي يعاقب مفطر رمضان علنا بالحبس والغرامة.. (قال العماري) إنه “لا اجتهاد مع وجود النص”.. واضعا بذلك نفسه في موقف الجاهل تماما بنصوص الدين وأدبيات الإفتاء وهو المجال الذي يُبحر فيه الريسوني بدُربة وسلاسة لأنه “كايعوم فبحرو” فجاء إلياس “الحداثي” ل”يحاجج” ف”طبز لها العين” كما نقول.
لو كان “إلياس الذي يمثل أباه” يقرأ الكتب حقا، لعلِم أنه لا وجود لأي نص لا في القرآن ولا في السنة يوجب معاقبة مُفطر رمضان بل هناك كفارة إطعام ستين مسكينا فحسب، أما عقوبة الحبس والغرامة في القانون الجنائي المغربي فاستندت على مبدأ السلوك المدني (عدم المس بممارسة الشعائر الدينية للمسلمين حسب اجتهاد التشريع الفرنسي أيام الحماية) وهو ما اعتمد عليه الفقيه الريسوني في قوله بإلغاء الفصل 222.
وليتبين أنه شتان بين مَن يقوم بدوره كمُفتي عن تكوين ودراية ومَن يمثل دور “الإفتاء”!
هذا بصدد “التنظير” فماذا عن “التدبير”..
تتذكرون ولا شك أن “إلياس العماري” سرّب خبرا قبل بضعة أسابيع عن “اقتناصه” تبرعا ببضع مئات ملايين الدولارات من مؤسسة “بيل غيتس” لفائدة مشاريع اجتماعية بالجهة التي يرأسها، و”تفشى” الخبر عبر صحف ومواقع إلكترونية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، على طريقة “عظَّم خوك آ البوخاري”.. وحينما اتصل صحافيون جادون بمؤسسة “بيل غيتس” مستفسرين جاءهم الجواب: “ليس لدينا أي اتفاق مع رئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة المغربية”!
وليتأكد أيضا أن هناك فرق كبير بين التدبير الحقيقي وتمثيل دور التدبير!
استطراد لا بد منه:
ليس ضروريا البثة أن يكون رجل السياسة مثقفا “عَلمانيا” أو “دينيا” حتى يكتسب جدارته بالموقع الذي يمثل فيه إلياس العماري “دوره”.. فأغلب كبار السياسيين عبر مراحل التاريخ والمجتمعات لم يكونوا كذلك، ولن يكونوا..
السياسي المحترف شخص لديه مستوى تعليم “مقبول” أي أنه جلس إلى مقاعد درس حيث كان ثمة تلقين ونقاش عام لفروع العلوم الإنسانية، حرر بشأنها أجوبة على أسئلة محددة في اختبارات نظامية. وبعد ذلك أهّلته موهبته لاحتراف السياسة، عقب إثباتات ميدانية: انخراط في حزب له رصيد من الأداء المحترف وتدرج عادي أو متواتر في أجهزته الموازية والتنظيمية والتقريرية، حتى يتسنى للمرء الظفر بصفة رجل السياسة الذي يؤدي دوره لا أن يمثله كما يفعل “إلياس العماري”.
من أكبر الإهانات التي وجهها نظام المخزن الملكي للمغاربة في فترتي حكم محمد الخامس والحسن الثاني هي تولي عسكري دموي هو “الجنرال “أوفقير” منصب الصدر الأعظم (تسيير شؤون الدولة بالنيابة عن الملك على نحو غير رسمي) ثم تولي عون مخابرات (الاستعلامات العامة) ذات المنصب خلال زهاء أربعة عقود من حكم الحسن الثاني، ونقصد إدريس البصري.
إهانة اليوم تتمثل في “صناعة” شخص يلعب دور “أبيه” في مواقع تحتاج رجالا ونساء مؤهلين وجادين للسهر على حاضر ومستقبل البلاد المحفوف بالمكاره.