موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
لو استعمل التلاميذ مرشحو امتحانات الباكالوريا ذكاءهم الذي كرّسوه ل”فنون” الغش في التحصيل الجدي لنجحوا، لكن فاقد الشيء لا يُعطيه للأسف.
من المثير للدهشة، على الأقل، أن يقضي التلميذ المغربي مرشح “الباك” وقتا طويلا وهو يزود نفسه بتقنيات الاتصال المتطورة ويبحث عن تطبيقات البرمجة الإلكترونية، ثم التفكير المضني في جعل عتاد “النقيل” غير مرئي من خلال دس أجزائه في زوايا جسده لا تراها الشمس!
إن تفكيرا وتدبيرا وتخطيطا من هذا القبيل تتطلب جهدا ووقتا لا يستهان بهما.. إنها وسائل إعداد تحتاج إلى ذكاء حيث يكون المطلوب اجتياز موانع المراقبة وليس اختبارات الامتحان..
لنتصور لو أن تلاميذنا “العباقرة” في الغش و”فنونه” و”علومه” تلقوا أدوات وميكانيزمات منهجية تعليم عقلانية في بيئة اجتماعية وسياسية واقتصادية.. سليمة تحفزهم على العطاء الجيد والأجود؟
لننظر قليلا في الخلفية المفضوحة التي “تؤطر” حياة تلاميذنا الغشاشين.
ولنبدأ ب”تسييق الدروج من الأعلى”..
تلاميذنا يعلمون أن ثروات البلاد التي يستحوذ عليها المخزن الملكي يتم تهريبها إلى الخارج، وما فضيحة “أوراق بنما” ببعيدة والتي لم تسفر عن أي تساؤل جدي في موضوعها الخطير بالمغرب، ناهيك عن تطبيق المبدأ الدستوري (ربط المسؤولية بالمحاسبة) لذا فإن لدينا في البلاد غش دستوري فاضح.
تلاميذنا يدركون أن الحكومة في المغرب لا تحكم بل تصرف الأعمال فقط أما التدبير الحقيقي الذي يرهن حاضر ومستقبل البلاد ففي أيدي “خفية/معلومة” تفعل ما تريد بالبلاد والعباد والثروات ولا تُسأل عما تفعل. وهكذا فإن لدينا غش حكومي بيِّن.
تلاميذنا ينتبهون إلى أن البرلمان المغربي عبارة عن غرفة للتسجيل، ولا دور له في مراقبة الأجهزة التنفيذية الفعلية للدولة لأن هذه الأخيرة لا “تتواضع” فتأتي إلى البرلمان لتقدم حصيلات أدائها وتُسأل بشأنها، وبالتالي فإن المؤسسة البرلمانية المغربية عبارة عن نادي للوك الكلام في أجواء ضجيج مع حكومة لا تحكم.
تلاميذنا يستوعبون أن أوضاع البلاد والعباد ليست بخير من خلال مظاهر الفقر والرشوة والمحسوبية والظلم.. وسائر الموبقات والآفات المتفشية لذا فهم لا يثقون في واقع لا يمنحهم عناصر الإطمئنان ليؤدوا دورهم في المجتمع على خير ما يرام.
إنهم “يحتكون” بواقع يومي في البيت والشارع والإدارات ومن خلال المؤسسة التعليمية التي بها يدرسون، مما يجعلهم فاقدين للثقة في مصداقية الدولة والمجتمع، فيكتسبون بقوة الواقع “ذرعا واقيا” يحتمون به من كل تلك القساوة والبشاعة التي تحيط بهم، فيختارون أن يكونوا سيئين أقل أو أكثر “كل حسب شطارته”.
كيف يُمكن لتلاميذ أن يثقوا في دولة ومجتمع يتسيد فيهما شخص كل زاده من التعليم الشهادة الإبتدائية؟
كيف يمكن لتلاميذ أن لا يغشوا في الامتحانات وهم يرون أشخاصا بلغوا أعلى المراتب وراكموا الثروات الطائلة لأنهم قدموا “خدمات” لأشخاص نافذين وليس للوطن؟
كيف لهم أن لا يفعلوا وهم يُتابعون ويعاينون آثار وسائل مناقضة للكفاءة والاستحقاق “تصنع” نجاحات أشخاص بلغوا أعلى المراتب في هذه المؤسسة أو تلك.. نظير “كورتي” الطاكسيات الذي أصبح برلمانيا، ومربي الأبقار الأمِّي الذي أصبح رئيس جماعة ومتحزب تافه يصبح وزيرا.. وقس على ذلك؟
هل يُمكن أن يثق التلاميذ في دولة يعرفون أنها من بين أكثر بلدان العالم تخلفا وفسادا؟ إذ أن معرفة ذلك لم تعد تتطلب البحث عن المعلومات في أبهاء كبريات المكتبات وبطون أضخم المراجع، بل ببضع نقرات في الهاتف المحمول!
مخطىء مَن يعتقد أن تلاميذنا الغشاشين في الامتحانات عاجزون، وبالتالي لجوءهم إلى أساليب الغش بدلا من التحصيل الجدي. إنهم أذكياء ولديهم قدرات جيدة في استيعاب الواقع المحيط بهم الذي يفعل فيهم ويفعلون فيه.
تلاميذنا الغشاشون بضاعة المُجتمع رُدَّت إليه.