تقنين اغتصاب الطفولة

إنصاف الشراط

 

تعتبر ظاهرة تشغيل الأطفال ذكورا وإناثا من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي أسالت الكثير من المداد واستهلكت الكثير من الوقت في مناقشتها وتحليلها والتي تهدد اليوم كما الأمس جميع المجتمعات وبالخصوص دول العالم الثالث، حيث تجد البيئة المناسبة للانتشار من فقر وبطالة وهزالة دخل الأسر والانحراف والجريمة وانتشار العادات الاجتماعية السيئة وضعف النظام التعليمي…

وتعاني بلادنا من انتشار ظاهرة الاستغلال الاقتصادي للأطفال من خلال تشغيلهم بمختلف المهن الخطيرة وخصوصا كعمال وعاملات داخل المنازل، في خرق سافر لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تجرم هذا الاستغلال وفي اعتداء مباشر على الإنسانية بقيمها النبيلة الكثيرة على اعتبار أن الأطفال يشكلون مستقبل البشرية ويشكلون الأمل بالنسبة لكل دول العالم.

وقد ناضلت مجموعة من الأحزاب الوطنية وعلى رأسها حزب الاستقلال والمنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني والحركات النسائية بالمغرب منذ مدة طويلة من أجل تجريم تشغيل الأطفال دون سن الثامنة عشر، على اعتبار المخاطر الكبيرة التي تترتب عن تشغيلهم دون هذه السن على نفسيتهم وعلى صحتهم وكذلك على أسرهم وعلى مجتمعاتهم.

واعتبارا لهذا المسار النضالي الطويل  كان من المنتظر أن تتجاوب الحكومة الحالية التي أتت بعد دستور 2011 الذي عزز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لكل مكونات الشعب المغربي، أن تجرم تشغيل الأطفال، غير أنها وضد كل التوقعات فقد سخرت أغلبيتها البرلمانية من أجل التصويت على قانون  العمال المنزليين رقم 19.12 الذي أباح الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة كعمال وعاملات في المنازل في خرق سافر لكل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الطفل.

وقد سبق للعديد من المنظمات الحقوقية الدولية أن عبرت من خلال تقاريرها عن انزعاجها من تنامي هذه الظاهرة ببلادنا، من أبرزها منظمة هيومن رايتس ووتش التي دعت الحكومة المغربية سنة 2015 إلى اتخاذ تدابير استعجاليه لمنع تشغيل الأطفال بالمنازل، ليأتي رد الحكومة سريعا من خلال قانون يشرع اغتصاب الطفولة عوض صونها وتكوينها تكوينا سليما، في خرق سافر للمادة 147 من مدونة الشغل التي تنص على أنه ” يمنع على أي شخص أن يكلف أحداثا دون الثامنة عشر سنة بأداء العاب خطيرة، أو القيام بحركات بهلوانية، أو إلتوائية، أو أن يعهد إليهم بأشغال تشكل خطرا على حياتهم أو صحتهم أو أخلاقهم…”.

وفي نفس السياق فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت سنة 1989 اتفاقية حقوق الطفل التي عرفت الطفل بأنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وأكدت على ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطرا أو يمثل إعاقة لتعليمه أو ضررا بصحته أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي.

وعلى اعتبار أن هذه الظاهرة تعتبر علبة اجتماعية واقتصادية سوداء تتطلب جرأة سياسية كبيرة من أجل تحليلها ومعرفة تفاصيلها فقد قررت حكومتنا الموقرة الخروج إلى الرأي العام الوطني بنتيجة تحليلها لهذه العلبة التي كانت عكسية والتي عبرت بصراحة على فشل الحكومة في توفير مقاعد دراسية لكافة بنات وأبناء المغاربة وعجزها الواضح عن تسطير سياسة تعليمية واضحة وشعبية تضمن تعليما جيدا لكل مكونات الشعب المغربي.

ولأن أغلب العمال المنزليين هم من الفتيات فإن الحكومة بأغلبيتها البرلمانية اختارت شعار مخالف لمقولة “الأم مدرسة إذا أعددتها..أعددت شعبا طيب الأعراق” وفضلت إعداد عدد كبير من أمهات الغد كعاملات في البيوت تمارس عليهن أبشع أشكال العنف النفسي والمادي عوض تلقينهن العلم والمعرفة وتكوينهن بالطريقة التي تأهلهن للقيام بأدوارهن التربوية في المستقبل على الشكل المطلوب.

ولهذا الاعتبار فإن الحكومة بهذا التوجه اختارت معاكسة إرادة ورغبة الفتاة والمرأة المغربيتين المتمثلة في صون كرامتهما وتمكينهما من كافة حقوقهما وسن قوانين تكرمهما تماشيا مع تعاليم ديننا الحنيف الذي أعطى للمرأة مكانة مهمة داخل المجتمع، كما اختارت السير ببلادنا في طريق مظلم على اعتبار أن الكلمة ستكون للمرأة في المستقبل.

لقد كان المواطن المغربي ينتظر من حكومة عبد الإله بنكيران أن تستخدم ذكائها التدبيري من أجل خلق مناصب شغل لفائدة الآلاف من شابات وشباب هذا الوطن الذين يتوفرون على كل المؤهلات العلمية والبدنية لذلك، عوض السعي إلى إقبار الطفولة وقتل كرامة المواطن المغربي من خلال تقنين تشغيل القاصرات والقاصرين من بنات وأبناء الشعب المغربي بالمنازل.

إن مثل هذه القوانين تجعل بلادنا تفقد العديد من النقط  في مجال حقوق الإنسان على اعتبار التعليم من أهم الحقوق الكونية المتعلقة بالطفل وعلى اعتبار أن المكان الطبيعي للأطفال هو المدرسة وليس العمل كعمال بالمنازل، كما يعتبر تشغيل الأطفال من أهم مؤشرات التخلف الحقوقي، الأمر الذي سيؤثر سلبا على صورة المغرب بالخارج.

إن هذا القانون ما هو إلا حلقة من حلقات الانتكاسات الحقوقية التي عرفتها بلادنا مع الحكومة الحالية، وضربة من الضربات الموجعة التي وجهتها للشعب المغربي طيلة سنوات ولايتها، اليوم ومع اقتراب الانتخابات التشريعية التي حدد لها تاريخ 7 أكتوبر2016، فإن مكونات الحكومة الحالية ينتظرها امتحان عسير وحساب شاق ومرير نتيجة كل هذه القرارات اللاشعبية والتي مست في جزء كبير منها كرامة وشرف المواطن المغربي.

 

الكاتبة العامة لمنظمة فتيات الانبعاث

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد