إلى المتميزة الأستاذة فاطمة نوك
أعتبر فوزي بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي برسم سنة 2013 -2014 تتويجا لمسيرة طويلة من العمل، وكذلك تشجيعا وتحفيزا لمزيد من البحث الجاد تحت إشراف أساتذة أجلاء، أحييهم من هذا المنبر.
تمخض موضوع أطروحة الدكتوراه حول موضوع “تمثل المرأة في الرحلة السفارية المغربية خلال القرنين 18 و19” عن علاقة وتجربة طويلة مع كل ما يتعلق بالمرأة التي تشكل أكثر من نصف المجتمع.
وسكنني البحث في طيات هذه القضية التي كانت هاجسا مؤرقا وأولوية لاهتمامتي خلال:
– أنشطتي ضمن فعاليات المجتمع المدني،
– تكليفي بملف المرأة الموظفة وتعييني منسقة لشبكة التشاور بين الوزارات لإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في تدبير الموارد البشرية بالإدراة العمومية التي عملت بها سابقا،
– حصولي على الماستر في النوع الاجتماعي والسياسات العمومية، بالإضافة إلى كون أطروحة شهادة الدراسات العليا كانت حول الهوية الموريسكية، يعني أن الحديث عن الهوية يستحضر الذات والآخر المختلف والمغاير وهو فرصة لاكتشاف الذات والوقوف على خصوصياتها.
واشتغلت على نصوص من القرن 18 و19 وهي على التوالي
1ــ “نتيجة الاجتهاد، في المهادنة والجهاد، رحلة الغزال وسفراته إلى الأندلس״، تأليف أحمد بن المهدي الغزال،
2″الإكسير في فكاك الأسير”، لمحمد بن عثمان المكناسي،
3– البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر” لمحمد بن عثمان المكناسي،
4– صدفة اللقاء مع الجديد، رحلة الصفار إلى فرنسا، 1845-1846،
5– “تحفة الملك العزيز بمملكة باريز”، محمد ابن ادريس العمراوي،
6- الرحلة الإبريزية إلى الديار الانجليزية سنة 1276هـ – 1860م، لمؤلفه محمد الطاهر بن عبد الرحمن الفاسي،
كما تم الاستئناس برحالات أخرى سابقة مثل رحلة أفوقاي ناصر الدين على القوم الكافرين، وأخرى لاحقة وهي رحلة الحجوي “الرحلة الأوروبية”.
كيف تناولت الموضوع؟
طرحت إشكالية ماهية وحدود مفهوم التمثل وإجرائيته وعلاقته بالصورة ومن تم كيفية تمثل المرأة في المتن الرحلي،
وقمت في خطوة ثانية بربط فكر صاحب النص بفترته التاريخية في كل مناحيها الثقافية والسياسية والاجتماعية، فظهر لي أن هذه المقاربة كانت ضرورية على اعتبار أنها تموضع خطاب الرحلة في سياقها التاريخي، لملامسة ما كان من الممكن أن يقوله صاحب النص وما كان يتعذر عليه قوله.
وحاولت أن أبين العامل الإيديولوجي في بعده السياسي والاجتماعي الذي تم توظيف خطاب النصوص في إطاره. وأبرزت أن رحالتنا يدعون أنهم لا يقولون سوى ما شاهدوه وعاينوه. وقد حاولت أن أحلل هذا المنظور في الإطار النظري بحيث أبرزت أن الخطاب الرحلي ينبني على توهيم، يجعلنا الرحالة بمقتضاه، نعتقد أن مهمته تقتصر على نقل ما رآه وأن هذا يكسب حكْيه مصداقية، وأن المتلقي يتعلم حقائق، في حين أن اللغة تضمر أكثر مما تعلن، ولا يمكن فهم آليات هذا الإضمار إلا داخل العلاقات المجتمعية، حيث توجد العديد من المحرمات اللغوية داخل أية ثقافة من جهة، ويصبح كل توكيد صريح كما هو في الخطاب الرحلي، موضوعا لمناقشات ممكنة، وبما أن صورة المرأة في السرد الرحلي لا يمكن أن تخرج عن اشتغال اللغة، يعني إنتاج الخطاب في مجتمع معين، افترضت أن ما يعلنه الخطاب يخفي وراءه أنوية صلبة عصية على التفكيك، إذا لم يتم تشخيصها والوقوف على قدرتها في إعادة إنتاج خطابات أخرى بأشكال مختلفة، وهذا ما وضحته عند استثمار مفهوم التمثل الاجتماعي، حيث ميزت بين محيط التمثل ونواته الصلبة، لكن منهجيا طُرح إشكال حول كيفية موضعة هذه النواة وجعلها قابلة للتفكيك والتشخيص.
في هذا الإطار استثمرت خطوات “بيار بورديو” « Pierre Bourdieu » خاصة من خلال كتابه “الهيمنة الذكورية” حيث تشكل مسألة الموضعة(objectivation) حجر الزاوية، إذ حاول جاهدا إظهار الميكانيزمات التي تجعل من التمثلات الاجتماعية “أمرا عاديا” بسبب الاعتياد، وبذلك لم تعد تقبل أن توضع موضع سؤال.
فمحاولتي في موضعة هذه التمثلات المتعلقة بالمرأة تمس بالتالي النحو التوليدي للفكر وللتصرفات باستقلال عن الوعي والإرادة، لأنه يفرض نفسه على الأفراد “كاعتياد” كشيء “طبيعي”، أو ما يسميه “بورديو” العنف الرمزي، بالرغم من أنها في النهاية حصيلة تدافع اجتماعي، بل إن هذا التدافع والصراع هو الذي يظهرها.
في هذا المنحى وضمن هذا التصور أستعرت من عالم الاجتماع بيير بورديو مفهوم (Habitus).
كما وضحت أنه بالرغم من أن الإيديولوجية تشد بنيان المجتمع وتضمن استمرارية الأوضاع. وأن للتمثل الإيديولوجي قيمة عملية، وإن كان ذي طبيعة وهمية، وليس طريقا للمعرفة، إلا أنه يضفي طابعا غيبيا على التناقضات الواقعية، مما يجعلها وسيلة للتجهيل أكثر منها وسيلة للتعليم، فهي تتجه إلى حشر الناس وتنميط فكرهم.
وحول الأنا والآخر بينت أن الآخر حمال أوجه متعددة ومختلفة في سردياتنا، من كتب التاريخ وكتب الجغرافيا وكتب الملل والنحل والرحلات والقصص والروايات، واتخذ صورا عبر مسارات ومحطات وأحداث تاريخية طويلة. والتعرف على الذات يمر عبر الاختلاف مع الغير إذ أن صورته تصوير للذات ومعرفته تحدد بدورها معرفة الذات.
كما تناولت السياق التاريخي للرحلات السفارية وتنامي المشاكل بين البلدان الإسلامية والمسيحية، وهاجس إيجاد حلول لها، هو أهم العوامل التي نمت الرحلة إلى أوربا، التي تطورت بتطور العلاقات الدبلوماسية بين الضفتين الشمالية والجنوبية لحوض المتوسط، بعد أن طرحت ضرورة تنقل السفراء والمبعوثين في رحلات مسترسلة بين الجانبين. وقد تمكن الرحالة المغاربة/ السفراء الذين مثلوا المخزن من اكتشاف أسباب تقدم الآخر ومظاهر تحضره، وكذا إمكانية الاستفادة من خبراته وإمكانياته لتحقيق التغيير المنشود للخروج من ربقة التخلف والجهل والتشتت. وشروط إنتاج الرحلات السفارية إذ أن فقهاء رحلوا إلى أوروبا خلال القرنين 18 و19، في إطار دبلوماسية محكومة بعوامل ميزت العلاقة بين دار الأنا/ دار الإسلام ودار الآخر/دار الكفر. وقد انطلقت أول رحلة على أساس مبادرة فرنسية خلال مفاوضات معاهدة للا مغنية، بعد الهزائم التي تعرض لها المغرب وفضحت ضعفه وتمكن الفساد من نظامه وتخلخل بنياته. وكان الرحالة خدام الأعتاب الشريفة، سخروا لتنفيذ تعليمات وأوامر السلاطين الذين انفردوا باتخاذ القرارات، وهم المتصرفون الحقيقيون في الأنشطة والعلاقات الدبلوماسية.
وتناولت الرأسمال والعين المحدقة انطلاقا من كون الفضاء الاجتماعي يشتمل على ما يمكنه أن نطلق عليه “سوق لغوية” مختلفة ومتعددة من لغة عالمة إلى لغة المهمشين، ولكي يكون لخطاب معين فاعليته أو لكي يتحول الكلام إلى فعل، وبالتالي لا يكون عرضة لانعدام الجدوى، يجب أن يصدر عن شخص يملك سلطة الكلام.
ولهذا فالعلاقة بين الخطاب وبين من يلقي الخطاب والمؤسسة التي تسند له إنتاج الخطاب هي علاقة بدونها لن يكون للخطاب أية جدوى أو فاعلية. ولقد استعرت من الباحث الاجتماعي بيير بورديو مفهوم “الرأسمال”، حيث يمكن أن نميز بين أنواع من الرأسمال أهمها الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الثقافي والرأسمال الرمزي. وبالنسبة للعين المحدقة فقد انطلقت من افتراض ميشل فوكو بأن إنتاج الخطاب داخل أي مجتمع يكون مراقبا، وانتقائيا ومنظما، كما يعاد توزيعه عبر عدد من المساطر التي يكون دورها تتبيث السلطة ودفع المخاطر والتحكم في الدين والسياسة والجنس.
وخصصت أربعة مطالب هي ظاهرة وجود النساء بالفضاء الخارجي، وعمل النساء، وممارسة النساء للتجارة، ووصف النساء لمظاهر حظور المرأة في المتن الرحلي حيث تناولت النصوص الرحلية السفارية التي تعرض ظاهرة الاختلاط ووجود المرأة في الفضاء الخارجي، التي استغرب لها الرحالة واعتبروها خروجا عن الدين وتعبيرا على انحلال وتفسخ القيم.
ورفض الرحالة خلوة النساء بالرجال الغرباء ومقاسمتهم الحديث والتنزه والاحتفالات وسهرات الموسيقى والغناء والرقص وهن سافرات، كاشفات عن مفاتنهن وأجسادهن، متصنعات ومتبرجات، وقد عزا الرحالة لامبالاة الأزواج تجاه تصرفات النساء المتحررات حد الفوضى، كون ذلك يدخل في عاداتهم وقوانينهم وأن الرجال لا يستطيعون الزواج بغيرهن.
وكذلك انبهار الرحالة المغاربة بحسن وجمال المرأة الأوروبية وذهولهم بجمالها وفتنتها، ومقابل ذلك استنكارهم لتصرفاتها وعدم اعتبار سلطة الزوج، وهي لا محالة، مقارنة لا واعية بين ما عاينوه وبين ما كان عليه الأمر في المغرب، حيث كان الاختلاط محرما، وكانت النساء حبيسات الفضاء الداخلي قانعات بأدوارهن، مستكينات لسلطة الرجال. ولم يفت الرحالة وصف بيوت الآخر المفتوحة في بنائها بحيث يتمكن الزائر من رؤية أهل البيت بلا حرج، بخلاف بيوت المغرب الضيقة النوافذ، وحيث تعرف غرف النساء بناء خاصا يتميز بالانزواء والانغلاق.
واعتبرت المرأة من حيث الوجود نواة أساسية صلبة تخص مسألة خلق حواء. هي أصل تمثلات ومنطلق المؤثرات الأساسية في توجيه قضية المرأة، وعلاقة ذلك بالدين، باعتبار الدين يمثل معطى شرعيا وقانونيا يرتكز على مرجعية روحية وأخلاقية بالنسبة لقضية المرأة في الديانات السماوية الثلاث من جهة، ومن جهة ثانية لحضوره الجلي أو الخفي، في سلوك ومواقف الرحالة، وتأثيره على مواقفهم وتمثلاتهم لبعض الظواهر مثل الاختلاط والسفور وسلوك المرأة وعلاقتها مع الرجل. وكيف يشكل جسد المرأة، الخيط الرفيع الناسج للارتباط بين الجنسين.
هناك أيضا نواة صلبة أخرى هي نواة الجسد الذي أصبح امتلاكه واستقلاله والتحكم فيه رمزا لامتلاك الإرادة الكاملة، وغاية كل الغرائز الإنسانية، خاصة بعد أن تمكنت عوامل عدة من حشره في منطقة المغيب واللامفكر فيه. وتعطلت، لأسباب دينية وأخلاقية واجتماعية وسياسية، الاستجابة لمتطلبات الجسد وغرائزه، خاصة جسد المرأة الذي أبرزته كثير من العقائد الدينية والقوانين والأعراف عورة وعيبا واعتبرت صاحباته ناقصات عقل ودين.
واعتبرت توزيع الأدوار الاجتماعية النواة الصلبة الثالثة، فهي صعبة في الاختراق والتغيير، وكذلك من العوامل الفاعلة في جعل النساء حبيسات الفضاء الخاص الذي هو البيت، وانفراد الرجل بالفضاء العام وما يرتبط به من امتلاك الثروات واتخاذ القرارات ووضع السياسات العمومية والتحكم في إدارة الشأنين الخاص والعام، مما جعل الاختلاف الجنسي يلتصق بنتائج بناء اجتماعي وثقافي لمسلسل تاريخي من المفاهيم، ومن هنا تكونت قراءات جنسية تحذف المرأة من سردها للأحداث التاريخية مثل الثورة الصناعية والعمل والسياسات العمومية.
وأهم استنتاجات الأطروحة:
- عجز النخبة المثقفة المغربية خلال القرنين 18 و19، وافتقارها لضبط سبل الانفتاح والتمكن من آليات التقدم.
- إبراز وهم إرادة “الحقيقة” عند الرحالة عبر اعتماده على العين والأذن.
- حيلولة السياق التاريخي للرحالة و”رساميلهم” دون النفوذ إلى بنيات المجتمع المرحول إليه.
- تغييب الحديث عن أحوال المرأة عند الآخر في نصوص الرحالة، حتى المتأخرة منها، نوع من التحصين النفسي لأهم معقل يبسط المسلم صولته عليه وهو الحريم.
- انعدام حركات مطالبة بالإصلاح لدى بنيات المجتمع المغربي، خاصة ما يخص النساء، فالمرأة خانعة وراضية ولم يكن الرحالة ليتزعم الدعوة لإصلاح وضعيتها.
- عالمية حقوق الإنسان وخصوصيات الثقافة.
- تحجر وتصلب الأنوية المشكلة لتمثلات الرحالة عن المرأة.
- دور الآخر في تكريس تخلف الأنا، إيمانا بدور العنصر البشري برجاله ونسائه في تحريك عجلة كل تنمية وتحديث وإصلاح.
مليكة نجيب