فاتح ماي بأي حال عدت ؟

عبد الله أيت سي. .
يعد فاتح ماي عيد العمال الأممي الذي تخرج فيه الطبقة العاملة في ربوع العالم ،من أجل الإحتجاج واسماع صوتها والتعبير عن مطالبها العادلة والمشروعة، ومن أجل التنديد بكل السياسات التي تستهدف مكتسباتها ،يوم فاتح ماي الذي يضرب بثقله في جذور التاريخ منذ ما يزيد عن قرن ونصف من كفاح العمال/ت الملئ بالتضحيات الجسام ،إنه يوم للاحتجاج وليس يوم للاحتفال كما توهمنا الطبقة البرجوازية .
تعيش الطبقة العاملة المغربیة ظروف مأساوية بسبب توالي الهجوم على المكتسبات التي حققتها في الماضي،و توالي العديد من القرارات التراجعية التي سنتها الدولة عن طريق حكومتها المتعاقبة ،و خصوصا منذ مرحلة التقويم الهيكلي مرورا بالخوصصة في عهد حكومة التناوب ،مما أدى إلى فقدان الآلاف من الطبقة العاملة لمناصبها و انحدارها إلى صفوف الكادحين، لقد أدى تمرير مدونة الشغل الرجعية إلى الإجهاز على ما تبقى من مكتسبات العمال والذين أصبحوا عرضة للتسريح الجماعي والطرد إما بسبب الإنتماء النقابي أو بسبب الصعوبات المالية والإدارية والاقتصادية التي تواجهها الشركات ،أو بتكريس هشاشة الشغل عن طريق التعاقد إما بواسطة شركات الوساطة أو المناولة وهو ما نجده في مختلف القطاعات الإنتاجية ،ومع ضعف النقابات وفقدانها للكفاحية والتجذر تراجعت نسبة التنقيب في صفوف العاملات والعمال إلى أقل من 10% مما سيوفر ويمهد للباطرونا لفرض قراراتها المجحفة والاستغلالية.
ظل سلاح الطبقة العاملة المغربیة هو النقابة فالبرجوع قليلا لبضعة عقود إلى الوراء سنجد أن هذه الأخيرة كانت موحدة وواعية ومستعدة دائما للدفاع عن حقوقها وهذا ما يؤكده رقم 800 ألف عامل وعاملة المنظمين في الإتحاد المغربي للشغل الإطار النقابي الوحيد آنذاك الموجود ،لكن مع مرور الزمان بدأت الإطارات تتناسل واحد تلوى الآخر مما شتت وحدة العمال ،غير أن ذلك كان بسبب سياسة ممنهجة قادتها البيروقراطية النافذة داخل النقابة و بتواطؤ مع التكتل الطبقي المسيطر داخل الدولة ،ومع كل تشكيل جديد في الساحة النقابية بالمغرب تظهر بيروقراطية جديدة ،ومنح كل هذا الدولة فرصة لعزل النقابات والاستفراد بها واضعافها من الداخل ،بسحب المصداقية منها ،ورغم النضالات المريرة والبطولية للجماهير الشعبية المنتفضة على الأوضاع ظلت النقابات خبزية ولم تكن لديها نية أبدا في المساهمة في الدفع بالنضال العام في إتجاه انتزاع تغيير ديمقراطي حقيقي ،وهو ما تجسد بالفعل في الحراك الجماهيري الذي شهده المغرب والذي قادته حركة عشرين فبراير ،إذ رضيت النقابات بالفتات محيدة قواعدها عن الحركة بدعوى السلم الاجتماعي فيما أصبح يعرف باتفاق 26 أبريل 2011 ،والذي لم يطبق منه إلا القليل ومازال عالقا ،و مع تزايد حجم الهجوم الذي يتجسد في اقبار الحوار الإجتماعي و إفراغه من محتواه التعاقدي ليصبح مجرد دردشات ينتهي غالبا بالتوقف في بداياته .
تصاعدت حدة الهجوم على الطبقة العاملة من طرف الدولة لحد أصبح فيه الحديث عن انتزاع حقوق مجرد وهم ،إذ أن تحصين المكتسبات هو ما يلقي بظلاله على واقع الحركة النقابية بالمغرب وتحاول الدولة تمرير مزيد من القرارات الرجعية والتقشفية أهمها هو ما يسمى بإصلاح صناديق التقاعد والعمل بالعقدة في الوظيفة العمومية و مشروع قانون تكبيل حق الإضراب ومشروع قانون جديد حول الوظيفة العمومية و الإجهاز الكامل على صندوق المقاصة ،وتعديل مدونة الشغل على علتها ،واصبحت فيه النقابات عاجزة عن الرد بمسلسل نضالي تصاعدي يوقف هذا الزحف نتيجة عدم امتلاكها للجرأة وطبيعة قياداتها البيروقراطية المستفيدة من الريع وأيضا بسبب ضعف قواعدها ،مما دفع الكثير من الفئات إلى التنظيم في شكل تنسيقيات مستقلة على أرضية معينة وكان ملف الأساتذة المتدربين خير دليل على ذلك وأيضا الطلبة الأطباء وقبلهم أصحاب الشواهدالعليا الغير مدمجين في السلالم المناسبة ،إن ما هو مؤكد هو فقدان الطبقة العاملة لمن يدافع عنها واعتبارها مجرد أرقام فقط من طرف النقابات وهذا تجسد في المعارك الطاحنة التي ياخدها العمال ( لاسامير، المغربية للصلب، المنطقة الصناعية طنجة، التصبير بايت ملول، العمال والعاملات الزراعيين باشتوكة ايت باها و اولاد تايمة والغرب، التدبير المفوض ………) فرغم تشبتها باطاراتها النقابية إلا أن هذه الأخيرة ظلت غير متجاوبة بالشكل المطلوب والمفروض عليها أن تقف بقوة إلى جانب قواعدها .
أبان الحوار الإجتماعي الملغوم والمغشوش والذي أجري مؤخرا بين المركزيات النقابية والحكومة عن حجم الإستهتار بحقوق ومكتسبات وكرامة العمال والشغيلة في القطاع الخاص والعام ،و ظلت الزيادة في الأجور النقطة التي أفضت الكأس ،تريد الحكومة أن تعطي الفتات في مقابل تمرير قوانين وقرارات خطيرة ستجهز نهائيا عن أمل أجيال المستقبل، وستلقي بالطبقة العاملة إلى غياهب الفقر المذقع ،كل هذا سيجعل العمل النقابي في المغرب يعيش لحظاته الأخيرة في الإنعاش إن لم يمت إذا ما تم تمرير مختلف إملاءات الدوائر الإمبريالية المالية العالمية والتي تريد الحكومة اللاشعبية تمريرها بيد من حديد للحفاظ على مصالح الشركات المتعددات الجنسية والمحلية.
لاشك في أن فاتح ماي هو فرصة للنقابات لبدء مسلسل نضالي حقيقي، والخروج في مسيرات موحدة عمالية بعيد عن الأنانية والذاتية وبشعارات قوية تبين بالملموس حجم الوعي الموجود في صفوف الطبقة العاملة، وحجم مطالبها ،وتوجه رسالة قوية مفادها لا صوت يعلو على القواعد

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد