بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس
فـي أجواء مطبـوعة بالترقب والحـذر والتـساؤلات، افتتحـت يوم الجمـعة الماضي (8 أبريل 2016)، الــدورة الربيعـية العاشـرة للبـرلمان. وهــي، بالنسبــة لمجلس النواب، الــدورة الأخيرة، مـن الولايـة التشــريعية الحـالية، قبل الانتخــابات المقــرر تنظيمها يوم السابـع من شهــر أكتوبر القادم. وبــكل تأكيد، فالــدورة الجــديدة لهــا طابع خاص، وتعــد دورة “متميزة” بكــل المقاييــس، سـواء المتعلقـة بالظرف السياسي، أو بجــدول أعمال البرلمــان، أو رهــانات كــل الفــرقاء ومـــكونات المـؤسسـة التشريعيــة. إن الدخــول البرلماني الحـالي والمشهــد السياسي الوطنـي تطغــى علــيه قــضايا حيوية وساخنـة، ومجموعة مــن التطورات المفتوحـة على كل الاحتمالات، وكأمثلة نشير هنا إلى ثـلاث منـها: 1- ما عـرفته وتعــرفه قضيــة الوحــدة الترابية من محــاولات للزج بهــا في متاهات جديدة، وردود الفعـل والمواقف الحــازمــة التي أبداها المغرب ومــعه أطراف عربيـة وأوروبية ودوليــة وازنــة، لإفهام كل الجهات المعنيـة بأن هذا الملف لا يمكن مقاربتــه بمناورات ومحاولات إخراجه من سيــاقه التفاوضي، وأن هناك الأرضية والمقترح الجدي المتمثل في مشروع الحكــم الذاتي. 2- ما يطبع الساحـة الاجتماعيـة والاقتصاديــة من مظاهر القلــق والتوجس من حــالة المنحــدر والظرفية الصعبــة التي تتنبــأ بها كــل المؤشرات الاقتصــادية، وما لـذلك مـن تـداعيات وعــواقب على الحيــاة والوضـع المعيشــي للشرائــح الواسعة من المجتمع. 3- “الحراك” الكـلامي والتجاذبـات الغريبـة الحاصلــة فـي البيـت الحكومـي وفي صفــوف أغلبيته، وما يرمــز إليه ويعبـر عنه ذلك مـن “هشــاشة” وارتباك وتنــاقضات مريبـة لا تســاعد على الوضوح وعـلى عقلــنة الحقــل الحزبي. وبالطبـع، وفــي إطار الوضـع السياسي العـام، فإن الدورة الربيعية الحاليــة لهـا كل العناصر التي تجــعلها متميـزة، وتدفع بكــل الأنظار إلى التركيز عليــها وتتبـع حلقاتها المتشابكــة. وكــونها هــي الدورة الأخيرة، قبــل نهاية الولايـة الحكومية الحالية، وكون هــذه الحكــومة قـد تمسكــت باحتكــار إعداد وتقديــم كـل أو جـل القــوانين المتعلقــة بتنــزيل مقتضيــات الدستور، فمن المفــروض أنها الآن تـوجــد -أي الحكومة- أمام الفرصــة الأخيرة لاحتـرام الحيــز الزمني الدستـوري لتنـزيل هــذه المقتضــيات وتجــاوز التأخــر المسجــل على هــذا المستوى. ومعنــاه أن المفــروض، أيضا، أن جدول أعمال دورة المؤسسـة التشريعية، التي تمتــد على مسافـة أقــل من خمســة أشهر، سيكــون مثــقلا بكــم كبيــر مـن النصوص التشريعية والقوانين التنظيميـة التي عليــها تــدارسها ومناقشتــها والبت فيـها. وهــذا ما جعـل بعض المتتبعــين للشـأن السياسي، وللأداء البرلمـاني، يحــذرون مـن الخضــوع للضغط الــزمني والوقوع في الارتجــالية والتــركيـز فقــط عـلى الجانب الكمــي على حسـاب النوع وجــودة المنتـوج التشريعـي. فالمشــاريع المنتظر من المؤسسة التشريعيــة البت فيها، مـن قانون الإضراب وقــوانيــن تفعيـل الأمازيـغـية والمجلس الوطني للغـات والثقافــات، إلى قوانين إصلاح أنظمة التقـاعـد وقانـون محـاربة العنـف ضد النســاء وإلى قــانون الصحافـة والنشـر والقـانـون الجنائـي، ومشروع قانون تقــديم العــرائض والملتـمسات …كلها مــشاريع تعـد بمثابـة نصــوص مكـملـة و”مفصلــة” للقــانون الأسمى، كــما تعتبـر لبنـات جـديدة في تشييـد صرح البـناء الديمقراطي والمــؤسساتي، وتوفيــر الآليات الضامنــة لتقـدم البــلاد على طريــق استكــمال وتعــزيز هـذا البـناء. وبالنظـر إلى ما لهــذه النصــوص مـن أهمية، وباستحـضار تجربـة التعامل الحكــومي مع المـؤسسة البرلمانية، فإن الأمر ولا شك سيتطلب الكثيـر مـن الجهد والاجتــهاد على مستـوى التفكيـر والابتـكار وعلى مستــوى النقــاش العميق والحوار الواسـع بين مختلــف الفرقـاء، سعيــا وراء الوصــول إلى أكبــر قـدر مـن تجــويد النصــوص التشريعيـة. وإذا كـان الاختــلاف في المواقف والتقــدير مــن طبيعة العمــل السيـاسي وأبجدياته، فإن الأمر الـلاطبيعـي أن تجنــح الحكــومة إلى التحــكم في أشغـال البـرلمان وأن تصــادر اختصــاصاته كمــؤسسـة تشـريعيـة مستقلــة عــن السلطــة التنفيـذية. وتـأسيسا على مــا سبق، فإن الـدورة الحاليــة، تحمــل معها تــساؤلات ملحــة حـول ما إذا كــانت الحكـومة قـــادرة عـلى تقــديم كل القوانين التي ينص الدستور على تقـديمها قبــل نهــاية الولايــة الحالية، وهل بالإمكان أن تكــف عـن سلـوك التعنـت والتهـرب مـن منهجــية الحــوار، واحترام الرأي الآخر، والسعي إلى التوافقــات الإيجابيـــة. فالضغـط التشريعي الذي يميــز الدورة الربيعيــة هاتـه، يــرجع إلى تباطـؤ الحكومـة في إعداد مشاريع النصوص، وهــو ما سبق لــعدة أطراف أن نبهـت إليه، خاصــة بعد أن تعثــرت وتيـــرة التشريـع بســبب تمسك الطرف الحكومــي بمواقف ترفضها القطاعات الواسعة من المجتمــع، بمـا فيها بعض الأطراف المكــونة للأغلبية. ومصلحــة البلاد ومسارها الديمقــراطي تقتضــي اليوم، مـن الجميـع، التحلي بــروح المسـؤولية وبالسلوك الجــاد والإيجـــابـي حتــى لا تنـــضاف المحـطة الجـديدة إلى الفـرص الضائــعة وهـــدر الـزمـن السيــاسي.