ريتاج بريس: صفاء ايت حوسة
لم تكن الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد موعد لاختيار أعضاء مجلس النواب، بل شكلت محطة جديدة لقياس مستوى الانخراط الانتخابي والسياسي في مختلف جهات المملكة، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية التي سجلت نسب مشاركة تجاوزت بشكل واضح المعدل الوطني.
وبينما بلغت نسبة المشاركة على المستوى الوطني 38.08 في المائة، وفق المعطيات التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، ارتفعت النسبة إلى 77 في المائة بجهة العيون-الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، و53.48 في المائة بجهة كلميم-واد نون.
أرقامٌ تضع الأقاليم الجنوبية مرة أخرى في صدارة النقاش حول المشاركة الانتخابية بالمغرب، وتفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة العلاقة بين الناخبين والمؤسسات المنتخبة، ودور الانتخابات في التعبير عن المطالب والانتظارات المحلية.
الرقم الأكثر لفتاً للانتباه يبقى ذلك المسجل بجهة العيون-الساقية الحمراء، حيث وصلت نسبة المشاركة إلى 77 في المائة، أي ضعف المعدل الوطني تقريباً.
وتأتي جهة الداخلة-وادي الذهب في المرتبة التالية بنسبة 61 في المائة، بينما سجلت جهة كلميم-واد نون 53.48 في المائة.
وفي الداخلة-وادي الذهب، أظهرت المعطيات المنشورة تفاوتاً بين الأقاليم، إذ بلغت المشاركة حوالي 80.17 في المائة بأوسرد، مقابل 56 في المائة بإقليم وادي الذهب، في وقت تنافس فيه المرشحون على المقاعد المحلية والجهوية المخصصة للجهة.
ولا تعني هذه الأرقام، في حد ذاتها، اتجاهاً انتخابياً موحداً لفائدة حزب سياسي بعينه، لكنها تؤكد أن الأقاليم الجنوبية عرفت حضوراً انتخابياً مرتفعاً مقارنة بالمعدل الوطني.
وعلى المستوى الوطني، أظهرت النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
كما حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً، فيما توزعت باقي المقاعد على عدد من الأحزاب.
وتبقى هذه النتائج مؤقتة وفق الإعلان الرسمي، في انتظار استكمال المساطر القانونية المتعلقة بإحصاء الأصوات وإعلان النتائج النهائية.
أما في الأقاليم الجنوبية، فتشير المعطيات المنشورة إلى أن الخريطة الانتخابية لم تكن موحدة بين مختلف الدوائر، إذ برزت أحزاب ومرشحون مختلفون من دائرة إلى أخرى، وهو ما يعكس خصوصية المنافسة المحلية وتباين موازين القوى السياسية والاجتماعية بين الأقاليم.
عادة ما ينصب الاهتمام بعد الانتخابات على عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، غير أن اقتراع 23 شتنبر أعاد نسبة المشاركة إلى واجهة المشهد.
فالمعدل الوطني، البالغ 38.08 في المائة، جاء أقل من النسبة المسجلة سنة 2021، والتي بلغت 50.86 في المائة، وفق المعطيات التي قدمها وزير الداخلية. وفي المقابل، حافظت الأقاليم الجنوبية على مستويات مشاركة مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني.
وهنا تبرز خصوصية الجنوب في المشهد الانتخابي المغربي: فالفارق الكبير بين النسب المسجلة وطنياً وتلك المسجلة في الجهات الجنوبية يستحق دراسة مستقلة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة البنية السكانية، ودور الفاعلين المحليين، وطبيعة المنافسة الانتخابية، ومستوى الاهتمام بالشأن المحلي والجهوي.
وبعبارة أخرى، فإن المشاركة المرتفعة مؤشر انتخابي مهم، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير اختيارات الناخبين أو تحديد دوافعهم السياسية.
يرى وزير الداخلية أن الإقبال القوي على صناديق الاقتراع في الأقاليم الجنوبية يعكس انخراط الساكنة في المؤسسات التمثيلية وتمسكها بمغربيتها ووحدتها الترابية. وهذه قراءة رسمية للمعطيات الانتخابية.
لكن القراءة للأرقام يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، من خلال طرح سؤال أساسي: ماذا ينتظر الناخبون الذين شاركوا بهذه الكثافة من ممثليهم الجدد؟
فالرهان بعد انتهاء الانتخابات لا يرتبط فقط بالاحتفال بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد، وإنما بمدى قدرة المنتخبين على تحويل هذا الحضور الانتخابي إلى عمل مؤسساتي ملموس، خصوصاً في ملفات التنمية، والتشغيل، والاستثمار، والبنيات التحتية، والخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية.
الآن انتهت الحملة الانتخابية، وأغلقت مكاتب التصويت، وبدأت ملامح مجلس النواب الجديد في الظهورا
لكن بالنسبة إلى الأقاليم الجنوبية، قد يكون السؤال الأهم قد بدأ للتو: كيف ستترجم المشاركة الانتخابية المرتفعة إلى تمثيلية سياسية فعالة وتنمية ملموسة؟
فالناخب الذي يشارك بكثافة لا يكتفي بالضرورة باختيار ممثله؛ بل ينتظر منه، بعد وصوله إلى البرلمان، أن يكون حاضراً في النقاش التشريعي والرقابي، وأن ينقل انتظارات دائرته إلى المؤسسة التشريعية.
وهكذا، فإن انتخابات 2026 بالأقاليم الجنوبية تقدم مشهداً مزدوجاً: مشاركة انتخابية لافتة من جهة، وتنافس حزبي متعدد من جهة أخرى. وبين الرقمين، تبدأ المرحلة الأكثر أهمية: مرحلة تقييم أداء المنتخبين وربط التمثيلية الانتخابية بالمسؤولية السياسية والتنموية.
وبذلك، لا تختزل دلالة اقتراع 23 شتنبر في النتائج والمقاعد وحدها، وإنما تمتد إلى ما أفرزته صناديق الاقتراع من مؤشرات حول المشاركة السياسية، وإلى ما ستفعله المؤسسات المنتخبة بهذه الثقة خلال الولاية البرلمانية المقبلة.