ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
اعتادت الأدبيات تفسير الهجرة المغربية خارج الحدود بالاستناد إلى عوامل، مثل التفاوت الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، والضغوط الديموغرافية، والقرب الجغرافي من أوروبا. ولا شك أن هذه العوامل تظل ذات أهمية تحليلية، إلا أنها لا تكفي لفهم الكيفية التي تحولت بها الهجرة إلى إحدى أقوى التطلعات الثقافية بالمجتمع المغربي. فالفقر أو الحرمان الاقتصادي، في حد ذاتهما، لا يخلقان رغبة جماعية في الهجرة. وإنما تتشكل هذه الرغبة داخل فضاء رمزي أوسع يعيد، بصورة متواصلة، بناء أوروبا بوصفها أفقاً للفرص، والكرامة، وتحقيق الذات.
تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة (Migration Mediascape) في المغرب لا يخلق هذا الأفق من العدم، بل يعمل على تضخيم الأفق العابر للحدود (Transnational Horizon) الذي راكمه المجتمع المغربي عبر أجيال متعاقبة. فوسائل الإعلام لا تنتج الرغبة في الهجرة ابتداءً، وإنما تكثّف الذاكرة التاريخية، والشبكات العائلية، والمتخيلات الاجتماعية التي ظلت تربط المغرب بأوروبا منذ قرون. ويُقصد بالمشهد الإعلامي الدينامي (Mediascape) البيئة الرمزية المتغيرة التي تتشكل عبر التدفق المستمر للصور، والرسائل، والقصص، والوسائط الإعلامية، والتي تُعيد تشكيل إدراك الأفراد للعالم وآفاقهم. وفي سياق الهجرة، يقدم هذا المشهد صورة انتقائية لأوروبا بوصفها فضاءً للفرص، والكرامة، والحراك الاجتماعي، بما يجعل الهجرة تبدو أفقاً طبيعياً ومشروعاً لتحقيق الذات.
ولم يتشكل المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة في فراغ تاريخي. فقد جعل الموقع الجغرافي للمغرب من التنقل سمة بنيوية في تاريخه الاجتماعي. فبفضل موقعه عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبفعل المسافة القصيرة التي لا تتجاوز أربعة عشر كيلومتراً عند مضيق جبل طارق، ظل المغرب، عبر التاريخ، فضاءً للتواصل بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. وتعاقبت عليه الحضارات الفينيقية والرومانية والعربية والإيبيرية، ثم القوى الأوروبية الحديثة، كما امتد نفوذ الأنظمة المغربية في فترات تاريخية مختلفة إلى الضفة الشمالية للمضيق في الأندلس. وربطت شبكات التجار والعلماء والحجاج والبحارة والدبلوماسيين والقوافل المغرب باستمرار بالعالمين المتوسطي والصحراوي.
وخلال الحقبة الاستعمارية، عمل آلاف المغاربة في الجيش الفرنسي، ثم جاءت اتفاقيات اليد العاملة بعد الاستقلال لتؤسس موجات هجرة منظمة نحو فرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا، ثم لاحقاً نحو إسبانيا وإيطاليا. وبهذا أصبحت الهجرة جزءاً من الذاكرة العائلية المغربية. فقلّما نجد اليوم أسرة مغربية لا تضم فرداً واحداً على الأقل يقيم في الخارج. ولهذا لا تُنظر إلى أوروبا باعتبارها فضاءً أجنبياً بعيداً، بل باعتبارها امتداداً للجغرافيا الأسرية المغربية نفسها. وباتت الأسرة المغربية، في كثير من الحالات، أسرةً عابرة للحدود (Transnational Family)، تتوزع روابطها ومواردها ورأس مالها الاجتماعي بين المغرب وأوروبا. ومن ثم، فإن المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة لا يصنع هذا الأفق العابر للحدود، وإنما يبني على ألفة تاريخية متجذرة ويعيد تضخيمها في العصر الرقمي.
وفي هذا السياق، يمكن تعريف المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة بأنه البيئة الرمزية التي تُتخيل من خلالها أوروبا باستمرار، وتُروى عنها القصص، وتُبنى حولها الرغبات والطموحات. فالتلفزيون، والفايسبوك، والتيك توك، والإنستغرام، واليوتيوب، والواتساب، والقنوات الفضائية، والأحاديث العائلية، فضلاً عن المهاجرين العائدين، جميعها تشارك في إنتاج أوروبا بوصفها الوجهة الأكثر جاذبية. ولذلك تبدأ الهجرة، بالنسبة إلى كثير من المغاربة، في المخيلة والتمثلات قبل أن تبدأ عند الحدود.
ولم تعد المنصات الرقمية المعاصرة تكتفي بنقل أخبار الهجرة كما كان الحال مع وسائل الإعلام التقليدية، بل حولتها إلى عرض دائم للنجاح. ففي كل صيف، يتغير المشهد الحضري في المدن المغربية مع عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج. إذ تمتلئ الشوارع بالسيارات ذات الترقيم الأوروبي، وتبرز المنازل المشيدة بأموال التحويلات المالية باعتبارها علامات مرئية على الازدهار، وتقام حفلات زفاف فاخرة، وتتداول الهدايا بين الأقارب. بل إن المهاجرين العائدين أنفسهم يتحولون إلى وسائط إعلامية حية؛ فلهجاتهم، وملابسهم، وأنماط استهلاكهم، وأساليب عيشهم، تجسد أوروبا أمام أعين الجيران والأقارب. وهكذا لا تُختبر أوروبا عبر الشاشات وحدها، وإنما أيضاً من خلال أشخاص يحملونها معهم في حياتهم اليومية.
وتؤدي وسائل التواصل الاجتماعي إلى مضاعفة هذا الإنتاج الرمزي. فنادراً ما ينشر المهاجرون المغاربة صوراً لساعات العمل المرهقة، أو للعمل الزراعي الشاق، أو لتعقيدات الوضع القانوني، أو للتمييز بجميع أصنافه، أو لمظاهر العنف والجريمة، أو للسكن المكتظ. وبدلاً من ذلك، تمتلئ منصات مثل إنستغرام وتيك توك بصور التسوق في باريس، والعطل في برشلونة، والشقق في بروكسل، والتزلج في سويسرا، والمقاهي المطلة على الساحات الأوروبية. وبذلك تُقدَّم الهجرة باعتبارها أسلوب حياة أكثر من كونها تجربة عمل. فلا تكتفي المنصات الرقمية بتمثيل الهجرة، بل تعمل على تجميلها وإضفاء طابع جمالي عليها (Aestheticization)، بحيث تتحول أوروبا إلى عرض بصري دائم للحركة والاستهلاك والرفاه.
كما تسهم الخوارزميات في تعميق هذه العملية. فالشاب المغربي الذي يشاهد مقطع فيديو واحداً حول العمل الموسمي في إسبانيا أو مستويات الأجور في ألمانيا، يجد نفسه سريعاً أمام سلسلة متواصلة من المقاطع التي تتناول التأشيرات، وتسوية الوضع القانوني، وفرص العمل، والسكن، واللجوء، وعبور الحدود، وقصص النجاح. وبهذا تنشئ المنصة تدريجياً عالماً إعلامياً كاملاً تتمحور جميع عناصره حول الهجرة، بحيث تبدو أوروبا ليس كأحد الخيارات الممكنة، بل باعتبارها الوجهة الطبيعية للطموح. وهكذا تصبح الهجرة ممارسة يجري تطبيعها خوارزمياً (Algorithmic Normalization).
وقد أفرز المشهد الإعلامي للهجرة أيضاً فاعلاً اجتماعياً جديداً هو مؤثر الهجرة (Migration Influencer) فعبر يوتيوب، وتيك توك، وفيسبوك، يقدّم هؤلاء شروحاً حول إجراءات التأشيرات، وحملات تسوية الوضع القانوني، وفرص الشغل، وأسواق السكن، والحياة اليومية في أوروبا، بينما يروي آخرون تجارب الهجرة غير النظامية أو يقارنون بين ظروف العيش في مختلف البلدان الأوروبية. ورغم أنهم لا يعرّفون أنفسهم باعتبارهم وسطاء للهجرة، فإنهم يخففون باستمرار من الغموض والمخاطر الرمزية المحيطة بها، من خلال تحويل المجهول إلى معرفة عملية قابلة للتطبيق. فالهجرة تبدو أكثر سهولة لأن شخصاً آخر سبق أن وثّق كل مرحلة من مراحلها.
ولعل أهم الآليات التي يقوم عليها المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة هي الرؤية الانتقائية، فأوروبا تُعرض باستمرار باعتبارها فضاءً للمؤسسات الفعالة، والبنية التحتية الحديثة، والفضاءات العامة النظيفة، والأجور المرتفعة، والحرية الفردية، بينما تظل الجوانب الأخرى أقل ظهوراً؛ مثل ساعات العمل الطويلة، والهشاشة القانونية، وارتفاع تكاليف العيش والسكن، والعزلة النفسية، وتجارب الفشل في الهجرة. وما يُنتج في النهاية ليس أوروبا كما هي، بل أوروبا منتقاة بعناية، تُبنى من شذرات تبرز الطموح أكثر مما تعكس الواقع.
ولا يقتصر تأثير المشهد الإعلامي للهجرة على الوسائط الرقمية، بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية اليومية. فالمرويات العائلية والشعبية مشبعة بقصص الأقارب المقيمين في الخارج، ويتربى الأطفال على روايات التضحية التي تنتهي بالنجاح، حتى تصبح الهجرة مرحلة شبه طبيعية في مسار الحياة، وليست مجرد خيار استثنائي.
لقد تمت مأسسة الهجرة في الحياة اليومية والأسرية بالمغرب من خلال الدولة نفسها، حيث تم إنشاء وزارة مكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، وتبنت الدولة سياسات تمنحهم مكانة خاصة بالنظر إلى مساهمتهم الحيوية في الاقتصاد الوطني عبر التحويلات المالية والاستثمارات. ويعكس هذا الاعتراف المؤسساتي المكانة المركزية التي بات يحتلها المهاجرون داخل المخيال الوطني، ويعزز تصور الهجرة باعتبارها خياراً مشروعاً وذا قيمة اجتماعية واقتصادية.
ويمتد هذا التأثير إلى المؤسسة الأسرية نفسها. فقد أشار أحد علماء الاجتماع المغاربة، أثناء عمله الميداني بمدينة خريبكة، إلى أن عدداً من الأسر كان يؤجل خطبة أو زواج بناته إلى ما بعد العطلة الصيفية، لأن الأولوية تُمنح للمهاجرين (vacanciers)، أي للمغاربة المقيمين بالخارج العائدين لقضاء عطلتهم الصيفية. وكانت الأسر تفضّل انتظار الخاطبين المحتملين القادمين من أوروبا قبل إتمام ترتيبات الزواج. وبهذا تدخل أوروبا إلى سوق الزواج ذاته، لتتحول الهجرة من مجرد استراتيجية اقتصادية إلى رأسمال رمزي (Symbolic Capital) يعيد تشكيل استراتيجيات المصاهرة، وتوقيت الزواج، ومكانة الأسرة الاجتماعية.
كما ساهم التلفزيون، والأفلام، والموسيقى الشعبية، والكوميديا في ترسيخ هذا الأفق الرمزي، من خلال تصوير أوروبا مراراً باعتبارها المكان الذي تتغير فيه المصائر. وسواء صُورت الهجرة باعتبارها نجاحاً، أو مأساة، أو تضحية، أو مادة فكاهية، فإن أوروبا ظلت المرجع الذي تُقاس به الطموحات والإحباطات والأحلام. وهكذا أصبحت الهجرة جزءاً من المعجم الثقافي المغربي. ومن هذا المنظور، فإن وسائل الإعلام تقوم بما هو أبعد من مجرد نقل المعلومات عن الهجرة؛ فهي تعيد، بصورة مستمرة، إنتاج أفق عابر للحدود متجذر تاريخياً داخل المجتمع المغربي. فالمشهد الإعلامي الدينامي للهجرة لا يصنع الهجرة من العدم، بل يضخم الذاكرة التاريخية، وسرديات الشبكات العائلية، وقصص المهاجرين العائدين، والأحاديث اليومية، وعروض المنصات الرقمية، وما تظهره الخوارزميات، ليحولها إلى فضاء رمزي متماسك تبدو فيه أوروبا الأفق الأكثر مشروعية لتحقيق الحراك الاجتماعي.
وتقودنا هذه القراءة إلى نتيجة أساسية مفادها أن الهجرة لا يمكن تفسيرها حصراً من خلال نماذج الدفع والجذب الاقتصادية. فبين الفقر وقرار الرحيل تتشكل بنية ثقافية أعمق قوامها المخيال الاجتماعي العابر للحدود، الذي تراكم تاريخياً من خلال الذاكرة الجماعية، والشبكات الأسرية، وتجارب الهجرة المتعاقبة. وفي المجتمعات الشبكية، يكتسب المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة (Migration Mediascape) أهميته بوصفه الفضاء الذي يضخم هذا المخيال، ويوسّع نطاق تداوله، ويكثف حضوره، ويعيد تحديثه باستمرار عبر الصور، والقصص، والمنصات الرقمية. وهكذا، قد تخلق الفوارق الاقتصادية إمكانية الهجرة، لكن المخيال الاجتماعي هو الذي يحولها إلى أفق جماعي للتطلع، بينما يتولى المشهد الإعلامي إعادة تدوير هذا الأفق وتعزيزه وترسيخه في الوعي الجمعي جيلاً بعد جيل.
وفي المحصلة، تبدأ الهجرة في المغرب، بدرجة أكبر، داخل العالم الرمزي الذي جعل أوروبا مألوفة للمغاربة عبر التاريخ، أكثر مما تبدأ عند الفنيدق (Castillejo)، أو سبتة، أو المطار. فشاشة الهاتف الذكي، والمهاجر العائد، والشبكات العائلية، وزائر الصيف، ومؤثر الهجرة، والقنوات والحسابات والمنتديات الافتراضية، جميعها تسهم في تضخيم الأفق العابر للحدود الذي ورثه المجتمع عبر تاريخه. ولذلك، فإن المشهد الإعلامي للهجرة لا يخلق الأفق العابر للحدود من العدم، بل يعيد إنتاجه وتضخيمه وترسيخه في المخيال الجمعي، حتى تغدو الهجرة في الوعي الشعبي ليست مجرد قرار فردي أو إمكانية واقعية، بل حقيقة اجتماعية متخيلة، تصبح معها الهجرة أفقاً حضارياً متخيلاً، ومساراً اجتماعياً مشروعاً، وتوقعاً ثقافياً تتوارثه الأجيال.