فضيحة “وثائق باناما” في “بلاد المخزن والغاشي”

 مصطفى حيران: مدير موقع أخبركم

في المغرب يجب أن يُنتظر دائما عنصر خارجي لمعرفة الوضع الداخلي على حقيقته..

كانت تلك هي القاعدة منذ معركة “إيسلي” سنة 1844 التي انهزم فيها الجيش السلطاني المغربي شرَّ هزيمة وعلى نحو مُذِل أمام الجيش الفرنسي، ولينتبه سادة الدولة المخزنية ونخبتها السياسية وأعيانها وفقهاؤها.. أن حالة الخور والضعف بلغت مبلغها، وأن فساد الدولة وهوان المجتمع لم يبق عليهما من مزيد.. فكان ما كان من محاولات الإصلاح الترقيعي التي لم تُفْضِ إلى شيء، بل مهَّدت للإستعمار المباشر بعد مقاومة هنا وهناك في الجبال، أما السهول فكانت “مواطية” أمام جحافل الجيش الفرنسي الحسَن العدة والعتاد، مقابل جيش سلطاني يرتدي أفراده الأسمال وتنخرهم سوء التغذية، جرَّاء فساد قادته ونهبهم مخصصاته المالية..

واليوم ما زالت تلك القاعدة “خدَّامة” بطرق شتى، ومنها تسريب معطيات سرية ترتبط بنوع التدبير الذي يعتمده المخزن الملكي في تسيير شؤون البلاد والعباد.

نتحدث بطبيعة الحال عن الحدث الأبرز حاليا في العالم وضمنه.. (المغرب؟!)، ويتعلق بأضخم وأخطر تسريبات في عالم السياسة والمال الأعمال والقضاء والإعلام.. : “وثائق باناما”..

التسريبات خطيرة حقا، وتمس أسس التدبير القانوني والمؤسسي لعشرات بلدان العالم، لذا كانت نتائج التسريبات وبالا على المتورطين فيها.. استقالة مسؤولين سياسيين وماليين.. ومظاهرات وتحقيقات قضائية.. والجميع يضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن تطال التسريبات مجالا سياسيا أو حكوميا أو أي مؤسسة أخرى، مما يتصل بأعماله..

هذا بطبيعة الحال في بلدان لديها دساتير مضبوطة نصا ومعنى وتنفيذا، ومجتمعات وحكومات وبرلمانات ومؤسسات قضائية وإعلامية.. حقيقية وليس ديكورات مخصصة لتلويك الكلام وشرب الشاي في أوقات ما بعد الظهيرة!

انظروا بربكم إلى هذا الوجوم الثقيل الذي يخيم على الدولة والمجتمع في المغرب عقب اندلاع فضيحة تسريبات “وثائق باناما”..

لا أحد حرَّك ساكنا ل”يتفوه” على الأقل، بكلام ممعن في الدبلوماسية من قبيل: “الدستور المغربي باعتباره أسمى قانون في البلاد واضح إنه يربط المسؤولية بالمحاسبة”.. وليترك “الفاهم يفهم” بعد ذلك..

لم يقل الملك ولا كاتبه الخاص ذلك، باعتبارهما معنيين بتسريبات “وثائق باناما” وما يفيد تعبيرا عن استعدادهما للمحاسبة، كما لم ينبس رئيس الحكومة بنكيران ببنت شفة في الموضوع، أما البرلمان فمشغول جدا وجلساته مكتظة بجلائل الأعمال وأخطر التشريعات، مما لا يتسع معه المجال لإضافة شيء جديد، والأحزاب مهمومة بامتحان “العتبة” سيما الضئيلة “التمثيلية” في أوساط الناخبين، والأمل، كل الأمل، أن يتم تخفيض العتبة إلى ما دون نسبة ثلاثة بالمائة، ويبدو أن ذلك سيتم سيما في هذه الأجواء “البانامية البابرزية” حتى يفرح الفرحون بما أوتوا..

أما مشهدنا الإعلامي فقد اهتم بكل تفاصيل تسريبات “وثائق باناما” المتعلقة بروسيا والصين وإسلندا… ما عدا الجزء الذي تعلَّق بمحمد السادس وكاتبه الخاص محمد منير الماجيدي، فهو غير موجود، إنه إشاعة فحسب، وأكثر المنابر “جرأة” تحدثت عن “مؤامرة دولية وراء التسريبات” ومعنى ذلك، معشر القراء، أن ثمة أيادي خبيثة دولية، دفعت الملك وكاتبه الخاص إلى خلق شركات وهمية بغاية تهريب الأموال وتبييضها وشراء معدات ترفيه وفنادق… ثم تسريب معلومات هذه الأعمال غير القانونية!

بقي الشعب.. هل قُلتُ الشعب؟

ليستحق شعب ما اسمه كما تترجمه كلمته باللغات اللاتينية من قبيل Peuple أو People يجدر أن يمارس حقوقه وواجباته، فيكون هو مصدر السلطات الدستورية والتنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية.. وليس شخصا (ملكا، أميرا، شيخا، رئيسا..) أو جماعة (أوليغارشيا عسكرية، اجتماعية، دينية، عِرقية…).

أمَا والحال عندنا أن الشعب لا يُمارس حقوقه وواجباته على نحو التعريف الكلاسيكي لمفهوم الشعب في الأدبيات السياسية الحديثة، بل وحتى الكلاسيكية منها، فيمكن أن نقول إننا في المغرب “مشروع شعب”..

“مشروع الشعب” هذا لا يستطيع فرض احترام الدستور الذي صوَّتَ عليه بالإجماع في نونبر 2011 ونص بصريح العبارة وأوضحها أن “المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة” وثمة الآن بهذا الصدد فضيحة خطيرة لتهريب الأموال إلى الخارج وتبييضها عبر خلق شركات وهمية وشراء معدات ترفيهية وفنادق..

حدث ذلك في “إيسلندا” حيث حاصر آلاف المتظاهرين مقر الحكومة في العاصمة “ريكيافيك” وأرغموا رئيس الوزراء على الإستقالة لأن اسمه ورد في فضيحة “وثائق باناما” وسيُصار إلى انتخابات تشريعية قبل أوانها، قريبا، ليقول الشعب كلمته في هذه التطورات الخطيرة، ويأتي عبر صناديق الإقتراع بمن يستحق حكمه حتى يثبت العكس.

ألا يصح أن نقول إذن، إنه يوجد شعب في إسلندا، بينما في المغرب يوجد “مشروع شعب”؟!

في المغرب الجميع يعرف أن لدينا شبه شعب وشبه دستور وشبه حكومة وشبه برلمان وشبه أحزاب وشبه قضاء وشبه إعلام وشبه تعليم وشبه اقتصاد.. وشبه وشبه وشبه… ما عدا أمر واحد حقيقي هو المخزن الملكي الذي يُمكنه أن يفعل ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل.

لذا سوف يتم نسيان فضيحة “وثائق باناما” في وقت قصير، بينما ستظل معمرة في المشاهد السياسية والإعلامية عبر العالم، حيث ستُتخذ تدابيرها وتُؤخذ دروسها، تجويدا لبناءاتها المجتمعية والدولتية الديموقراطية.

في بلاد المخزن والغاشي “ما وقع والو والله يجعل البركة فالمخزن”!

في الغرب، سيما المتقدم منه، باتوا أكثر وعيا أن أُمَّ مشاكلهم حاليا، ونعني به الإرهاب الذي طرق عقر ديارهم بشكل عاتي، مرتبط بنوع التدبير الذي يُعتمد لشؤون الدولة والمجتمع في بلدان العرب والمسلمين، وأن توزيعا غير عادل للثروات بل ونهبها وتهريبها إلى الجنَّات الضريبية عبر العالم، يخلق تربة خصب لاستنبات أشكال التطرف المدمرة أقلها الهجوم البدائي الجنسي على فتيات غربيات كما حدث في احتفالات رأس السنة الميلادية الحالية في مدينة “كولونيا الألمانية” وأخطرها استقطاب لشباب مُجَهَّل مُفقَّر ومُؤدلج من طرف التنظيمات الإرهابية على غرار “داعش”.

هذا الغرب المتقدم، يعرف كيف يطرق الأبواب بخفوت في أول الأمر، ثم بقوة حين يتطلب الأمر ذلك.

اقرأوا حيثيات معركة “إيسلي” سنة 1844 التي انهزم فيها الجيش السلطاني المغربي شر هزيمة، وسوف تفهمون أن التاريخ لا يُعيد نفسه بنفس الحذافير، لكنه يحتفظ بذات السياقات لأنها كُنه الوجود الإنساني أفرادا وجماعات ودُوَّلا عبر الزمن.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد