بقلم د. محمد محاسن
توطئة
لم تكن الجامعة المغربية في يوم من الأيام مجرد مؤسسة لنقل المعارف، بل فضاءً للحرية والفكر النقدي والإبداع، وحاضنة لإعداد النخب وصناعة المستقبل. غير أنّ ما تجود به قريحة الوزارة الوصية على قطاع التعليم العالي من مقترحات إصلاح، كما هو الأمر مؤخرا فيما يتعلق بمشروع قانون 59.24، خاصة بابه الرابع المخصص لحكامة الجامعات موضوع هذا المقال، يُثير القلق العميق، إذ يُعيد إنتاج نموذج مرفوض سابقًا (مشروع يونيو 2021) مع تغييرات شكلية في الأسماء، دون مساس بجوهر الاختلالات.
لقد استُبدل “مجلس الإدارة” بـ”مجلس الأمانة“، لكن المضمون بقي نفسه: فرض وصاية إدارية وسياسية على الجامعة، وتهميش مكوناتها الأساسية، وعلى رأسها الأساتذة الباحثون.
أولاً: محاولات إيجابية لكن جد محدودة
رغم غلبة الطابع الوصائي على النص، يمكن الإشارة إلى بعض الجوانب الإيجابية، رغم كونها عامة وشكلية:
✓ إحداث لجان دائمة (البيداغوجية، البحث العلمي، التعاون) ما قد يساهم في التنسيق.
✓ توحيد بعض الهياكل التنظيمية بين الجامعات وهو ما قد يسهم في خلق انسجام مؤسساتي.
بيد أن هذه النقاط ليست جديدة ولا جوهرية، فحتّى مسألة إدماج الطلبة والإداريين في المجالس إنما تعود إلى القانون 00.01، وليست ابتكارًا للمشروع الحالي. أما ما يتعلق بالاستقلالية والحكامة الرشيدة، فإن المشروع يظل بعيدًا عن التطلعات.
ثانياً: مجلس الأمانة – وصاية باسم جديد
لقد منحت المواد 29–32 و36 لمجلس الأمانة صلاحيات تقريرية واسعة من اعتماد الميزانية ورسم الاستراتيجية وتحديد البرامج البيداغوجية والبحثية فالمصادقة على الشراكات.
كما أن تركيبته تكشف حضورًا قويًا لجهات غريبة عن الجامعة :
✓ الوالي بصفته ممثل السلطة الترابية.
✓ ممثلو السلطات الحكومية المركزية.
✓ شخصيات من عالم الاقتصاد والمهن.
✓ ممثلون عن المجتمع المدني.
مقابل ذلك، حُجِّم تمثيل الأساتذة الباحثين بشكل لافت ولما غياب رؤساء المؤسسات الجامعية امَّسخ حضور رئيس الجامعة.
لتكون النتيجة كالتالي : بدل أن يكون المجلس داعمًا أو رقيبًا، أصبح حكومة داخل الجامعة، تُقصي الأكاديميين وتضع القرار في يد الإدارة والسياسة.
ثالثاً: رئيس الجامعة امَّساخٌ من قائد أكاديمي إلى سكرتير إداري
فالمواد 40، 41، 44 قلّصت دور الرئيس إلى مجرد منسّق إداري، يرفع المقترحات إلى مجلس الأمانة دون أن يملك سلطة تقريرية حقيقية. فالهيكل التنظيمي للجامعة ذاته تحدده السلطة الحكومية، مما يُفقد الرئيس أي سلطة حقيقية في بناء مؤسسته.
بهذا، يتحول المنصب من قيادة أكاديمية واستراتيجية إلى وظيفة بروتوكولية إدارية، وهو ما يفرغ الجامعة من القيادة الفكرية التي تحتاجها لتواجه رهانات البحث العلمي والتنمية.
رابعاً: تراجع خطير عن مكتسبات الأساتذة الباحثين
إن القانون 00.01 كان يضمن تمثيلية لكل إطار أكاديمي (مساعد، مؤهل، أستاذ التعليم العالي) عن كل مؤسسة.
بيد أن المشروع الحالي يقلّص التمثيل إلى ممثل وحيد عن الهيئة، دون تمييز بين الأطر.
وهو ما يجعل هذه الصياغة تُفرغ المشاركة الأكاديمية من مضمونها، وتمثل تراجعًا عن مكتسبات راسخة، وتحجيمًا لدور النخبة التي تحمل الجامعة علميًا وفكريًا.
خامساً: التضييق على الحريات الأكاديمية
إن المادة 34 تربط البرامج البيداغوجية باستراتيجيات تقررها أجهزة يغلب عليها الطابع الإداري.
أما المادة 41 فتقيد قرارات الرئيس وتخضعها لمصادقات فوقية.
والمواد 68 و69 تمنح السلطة الحكومية وأعوانها صلاحيات واسعة في المراقبة وضبط المخالفات، دون توفير ضمانات فعلية تحمي الأساتذة من التأويلات التعسفية.
لتكون النتيجة كالتالي :
✓ جعل البحث العلمي عرضة للتسْييس عبر التحكم في مواضيعه ومناهجه.
✓ تقليص حرية الأستاذ في النشر والتدريس، تحت ذريعة الالتزام بـ”اختيارات المجلس”.
✓ غياب أي نص صريح يحصّن الحرية الأكاديمية كحق أصيل، وهو ما يترك الباب مفتوحًا للرقابة والتوجيه الإداري.
سادساً : توصيات لتجاوز الاختلالات
إن ما يعتري هذا المبحث من اختلالات وعيوب وتراجعات عن المكاسب وتهميش للقوى الجامعية في لعب دورها في حكامة الجامعة يستدعي إعادة النظر في أمور عدة تجاوزا السلبيات السابق ذكرها :
1. حصر دور مجلس الأمانة في المشورة والرقابة، لا في اتخاذ القرار الأكاديمي.
2. إعادة الاعتبار إلى رئيس الجامعة كقائد أكاديمي واستراتيجي، وليس مجرد إداري.
3. ضمان تمثيلية عادلة للأساتذة الباحثين حسب الأطر (أستاذ التعليم العالي وأستاذ محاضر مؤهل وأستاذ محاضر) عن كل مؤسسة جامعية، وكذا عمداء الكليات ومدراء مؤسسات التعليم العالي كما كان معمولًا به في القانون 00.01.
4. التنصيص الصريح على ضمان الحريات الأكاديمية (البحث، التدريس، النشر) كحقوق محمية قانونيًا.
5. جعل حضور الوالي وممثلي السلطات والشخصيات الاقتصادية استشاريًا فقط، حفاظًا على الطابع الأكاديمي للقرار الجامعي.
عود على بدء
إن الباب الرابع من مشروع القانون 59.24 لا يمثل إصلاحًا حقيقيًا، بل يعيد إنتاج مشروع يونيو 2021 المرفوض، مع تغييرات شكلية في المسميات. وهو بذلك يُكرّس الوصاية الإدارية، يُقزّم دور الرئيس، يُقصي الأساتذة الباحثين، ويُضيّق على الحريات الأكاديمية.
إن الإصلاح الجامعي المنشود يقتضي حكامة ديناميكية متوازنة، تستند إلى الاستقلالية والحرية والتمثيلية العادلة وتُبقي الجامعة فضاءً علميًا حرًا في خدمة المعرفة والمجتمع، لا جهازًا إداريًا تحت الوصاية.
نأمل أن تبادر الوزارة الوصية والحكومة إلى أخذ ملاحظاتنا بعين الاعتبار، وأن تعمل على إشراك الفاعلين الجامعيين في بلورة تصور ناجع يعتبر خطوة إلى الأمام من أجل الارتقاء بالجامعة المغربية، بدلا من فرض مشروع أحادي الجانب، ما سيكون له ، لا محالة، انعكاسات سلبية وخيمة بدأت ملامحها تلوح في الأفق من خلال موجة الانتقادات التي قوبل بها هذا المشروع المسرَّب.
تعليقات الزوار