تزايد المترامين على العقار السلالي الخاص  أمام مرأى ومسمع السلطات الإقليمية والمحلية بزاݣورة

بقلم :لحسن الحسناوي من ذوي حقوق الجماعة السلالية الكعابة.

 

عرفت بلادنا في السنوات الأخيرة نقاشا مستفيضا حول الأراضي السلالية لتعبئتها وجعلها رافعة للتنمية، خصوصا في المجال القروي الذي يعاني الهشاشة والفقر، وذلك بتشجيع ذوي الحقوق أو الأغيار لتنفيذ مشاريع فلاحية، وفق ما تقتضيه المساطر القانونية في هذا الصدد. وهو ما أسفر عن تحديث الترسانة القانونية الخاصة بأملاك الجماعات السلالية؛ من خلال إصدار القانون رقم 63.17 والذي تم بموجبه تحديد المساطر والإجراءات الخاصة بالمصادقة على التحديدات الإدارية، وكذا القانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، والمرسوم رقم 2.19.973 الخاص بتطبيق أحكام هذا القانون، بالإضافة إلى المصادقة على مجموعة من التحديدات الإدارية، المستوفية للشروط المنصوص عليها في القانون رقم 63.17، والتي همت مختلف ربوع المملكة.

فالقانون رقم 62.17 تضمن إلى جانب الأحكام العامة، أحكاما خاصة بتنظيم الجماعات السلالية وبأملاكها، وتدبير مواردها المالية، والوصاية الإدارية عليها، التي يبقى من أهم أدوارها حسب الفقرة الثانية من المادة الثلاثين من هذا القانون، السهر على احترام الجماعات السلالية وجماعات النواب للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وكذا ضمان المحافظة على أملاك الجماعة السلالية ومواردها المالية وتثمينها.

وفي سياق الحماية التي منحها المشرع للأراضي السلالية، سواء في مواجهة أعضاء الجماعة السلالية المخالفين للقوانين (المادة 34 من القانون 62.17)، أو في مواجهة كل من اعتدى أو احتل بدون موجب عقارا تابعا لجماعة سلالية، عمل المشرع على تشديد العقوبات ضد الأشخاص الذين يقومون بهذه الأفعال، وفي هذا الإطار نصت المادة 35 من القانون رقم 62.17 أنه “دون الإخلال بالعقوبة الأشد المنصوص عليها في القوانين الجاري بها العمل، يعاقب بالحبس ستة أشهر إلى سنة وغرامة من 5.000 درهم إلى 20.000 درهم أو بإحدى العقوبتين، مع إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، كل من اعتدى أو احتل بدون موجب عقارا تابعا لجماعة سلالية”. كما نصت المادة 36 من نفس القانون أنه “دون الإخلال بالعقوبة الأشد المنصوص عليها في القوانين الجاري بها العمل، يعاقب بالحبس من ستة إلى خمس سنوات وغرامة من 10.000 درهم إلى 100.000 درهم:

· كل من قام أو شارك بأي صفة في إعداد وثائق تتعلق بالتفويت أو التنازل عن عقار أو بالانتفاع بعقار مملوك لجماعة سلالية خلافا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل؛

· كل من قام أو شارك في إعداد وثائق تنفي الصبغة الجماعية عن عقار تابع لجماعة سلالية، خرقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

وإذا كان المشرع عمل على تشديد العقوبات على المترامين دون سند قانوني على الأراضي السلالية، وجعل حماية هذه الأراضي على عاتق السلطة الوصية، فإن واقع الحال الخاص بالتحديد الإداري رقم 379 المتعلق بالعقار الجماعي المدعو «كدية بوجنيبة» الكائن بتراب قبيلة الكعابة بقيادة ترناتة وتنزولين دائرة تنزولين إقليم زاكورة، المصادق عليه بموجب المرسوم عدد 2.19.1009 الصادر في 14 من ربيع الآخر 1441 (11 ديسمبر 2019) المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6842 الصادرة بتاريخ 26 ديسمبر 2019)، لازال لم ينل نصيبه من الحماية المقررة لأملاك الجماعات السلالية التي نص عليها القانون رقم 62.17.

فهذا العقار، خصوصا المساحة الصالحة للزراعة به، التي تتوفر على فرشة مائية مهمة، والمحددة بالترسيمات والعلامات (B15. B16. B17. B18. B19. B20. B21. B22) المتواجدة بمنطقة الفايجة (بوجنيبة) التابعة لقيادة ترناتة، عرفت في الآونة الأخيرة بعد سنة 2018 مع انتشار زراعة البطيخ الأحمر (الدلاح) بمدينة زاكورة، تزايد عدد المترامين عليها من خارج ذوي الحقوق، إذ انتقل عدد المترامين على هذه المساحة الأرضية من ثلاثة أو أربعة مترامين (ينتمون لقبيلة مسوفة)، سبق وأن صدرت في حقهم قرارات من مجلس الوصاية المركزي وأحكام قضائية قضت بإفراغهم وإرجاع الحالة إلىى ما كانت عليه، إلى ما يزيد عن سبعين متراميا حاليا، حيث شيدوا فوقها ضيعات فلاحية وبنايات سكنية، ووصل حد استهتار العديد منهم في ظل غياب أي تدخل للسلطة إلى تحويل أشجار النخيل من مناطق أخرى إلى هذه الضيعات الفلاحية، في سبيل خلق واقع يرومون من خلاله التأكيد على أنهم يستغلون هذه الأرض منذ زمان. وحال من أفتى عليهم هذه الممارسة، إما أنه يجهل أو يتناسى المقتضيات القانونية التي تؤكد أن الأملاك السلالية لا تكتسب بالحيازة ولا بالتقادم (المادة 15 من القانون 62.17)، وهو ما يسائل دور السلطة المحلية بصفتها ممثلة للسلطة الوصية في حماية هذا العقار. فإذا كان تشييد هذه الضيعات الفلاحية (وما يستوجبه من حفر الآبار لاستغلال الفرشة المائية) والبنيات السكنية بدون التراخيص التي تنص عليها التشريعات الجاري بها العمل، فلماذا لم تتدخل السلطة المحلية بصفتها ممثلة للسلطة الوصية لتوقيفها وهدمها، لكون أهم الأدوار التي تقوم بها هذه السلطة حسب الفقرة الثانية من المادة 30 من القانون 62.17 كما أوضحنا سابقا، هو ضمان المحافظة على أملاك الجماعة السلالية ومواردها المالية وتثمينها. وهو ما يمكن تفسيره بأحد من الأسباب الأربع التالية: الأول، أن السلطات بمدينة زاݣورة كانت تعلم بعمليات الترامي على هذا العقار وتغاضت عنها، نتيجة فساد بعض المسؤولين، أو تقصيرهم في القيام بمهامهم وفق ما يقتضيه التدخل لوقف هذه التراميات. والثاني، هو أن السلطات لم يكن لها علم بما يقوم به هؤلاء المترامين فوق مساحة عقارية تبلغ حوالي 10000 هكتار، رغم أننا نستبعد هذا المعطى، بناء على كون السادة نواب الجماعة السلالية الكعابة ما فتئوا يتقدمون لهذه السلطات منذ 2018 بالإخبار عن هؤلاء المترامين ويطالبونها للقيام بمعاينة لهذا العقار لجرد أسمائهم وتقديمهم إلى القضاء، بالموازاة مع كون السلطات المحلية، وكما هو معروف تتوفر على مجموعة من الأعوان يزوّدونها بكل كبيرة وصغيرة عن أي تغيير في المجال الترابي الموجود تحت نطاق نفوذها.

أما السب الثالث، وهو أن هؤلاء المترامين يتوفرون على تراخيص مزورة لاستغلال هذا العقار، لأنه من المستبعد أن تسمح السلطات بمدينة زاݣورة بإصدار هذه التراخيص، وهي تعلم علم اليقين أن هذا العقار خاص بالجماعة السلالية الكعابة، لكون الوثائق التي تم بناء عليها المصادقة على التحديد الإداري رقم 379 صادرة من عندها.

في حين يبقى السبب الرابع، هو أن هؤلاء المترامين يتوفرون على تراخيص وفق ما تقتضيه التشريعات والمقتضيات القانونية لتشييد هذه الضيعات الفلاحية والمساكن في عقار موضوع تحديد إداري آخر، وتم تحويلها وتشييدها فوق العقار موضوع التحديد الإداري عدد 379 الخاص بالجماعة السلالية الكعابة، خصوصا وأن هذا الأخير له حدود مع بعض التحديدات الإدارية الأخرى، وهو ما يسائل دور السلطة المحلية في تتبع كون هذه التراخيص قد تم تنفيذها في الأماكن المخصصة لها.

وأيّا كان من هذه الأسباب التي أدت إلى تزايد المترامين على عقار كدية بوجنيبة، فهي تثبت مسؤولية السلطة الإقليمية المحلية بمدينة زاݣورة على ما آلت إليه أوضاع عقار كدية بوجنيبة موضوع التحديد الإداري عدد 379.

وعلى خلاف ما سبق، فكلما تقدم ذوي حقوق الجماعة السلالية الكعابة الذين يعاني أغلبهم من الفقر والتهجير إلى مختلف مدن المملكة وخارجها للبحث عن لقمة العيش لأبنائهم، ممثّلين في نوابهم للسلطة بمدينة زاݣورة للاستفادة من هذا العقار، تتم مواجهتهم بأن التشريعات الجديدة لا تسمح لهم حاليا بذلك، فالأمر يتطلب أولا المصادقة على لائحة ذوي الحقوق، في ضرب صارخ لنص المادة الرابعة من القانون رقم 62.17 التي تنص على أنه “يمكن للجماعات السلالية أن تتصرف في أملاكها حسب الأعراف السائدة فيها والتي لا تتعارض مع النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في هذا المجال، وذلك تحت وصاية الدولة وحسب الشروط المقررة في هذا القانون”. بل أكثر من ذلك، فعوض أن تسخر السلطة القوة العمومية وتوجهها لإيقاف وردع المترامين على عقار كدية بوجنيبة، عملت هذه السلطة على توجيهها ضد ذوي حقوق الجماعة السلالية الكعابة لترهيبهم بعد تنظيمهم لوقفات احتجاجية أمام مقر عمالة زاكورة في السنة الماضية، للمطالبة بحقوقهم المغتصبة في هذا العقار، واعتقال عشرة أفراد منهم، وتوجيه اتهامات لهم من قبيل إهانة موظفين أثناء القيام بمهامهم، ورشق القوات العمومية بالحجارة….إلخ، وهم لازالوا متابعين حاليا في حالة سراح أمام محكمة الاستئناف بورزازات.

كما أن السادة نواب الجماعة السلالية الكعابة كلما تقدموا لمطالبة السلطة المحلية للقيام بمعاينة ميدانية لهذه المساحة العقارية، المشار إلى ترسيماتها وعلاماتها أعلاه، للوقوف وحصر لائحة المترامين الجدد عليها، تتملص ولا تنفذ ما يلزمها به القانون، متذرعة بمجموعة من الذرائع الشفوية الواهية، من قبيل أن هؤلاء المترامين قدامى، ما يطرح التساؤل معه ما موقف السلطة المحلية من المترامين الجدد؟ أو أن الوضعية الأمنية الحالية لا تسمح بذلك، وكأن هؤلاء المترامين على هذا العقار أصبحوا يفرضون واقعا أمنيا في هذه المنطقة يتجاوز السلطة بمدينة زاݣورة، ولا يسمح لكل من ينتمي للجماعة السلالية الكعابة بمن فيهم نوابها الولوج لهذه المساحة العقارية، بما يوحي أن هذه المنطقة أصبحت خاضعة لمنطق العصابات، وليس منطق الدولة والسلطة والمؤسسات، وما يقتضيه ذلك من حماية للحقوق وتطبيق القانون على الجميع.

وكان آخر هذه الذرائع التي تذرعت بها السلطة المحلية بقيادة ترناتة بعدما قدم لها نواب الجماعة السلالية الكعابة أواخر دجنبر الماضي طلبا للقيام بمعاينة لهذه المساحة العقارية للتأكد من صحة بعض الأخبار التي تقول بوجود عدد من المترامين الجدد، كون هذا العقار يعرف نزاعا معروضا على القضاء، ومن ثم نتساءل مع هذه السلطة المحلية متى كان في أي تشريع في العالم على مر العصور كون نزاع عقاري معروض على أنظار السلطة القضائية يعد مسوغا للترامي عليه من طرف أشخاص جدد؟ ويحد من سلطتها بصفتها ممثلة للسلطة الوصية على العقارات السلالية، للتدخل لتوقيف هذا الترامي؟

إن هذا الوضع الذي أصبح يؤرق ذوي حقوق الجماعة السلالية الكعابة، وهم يرون تزايد أعداد المترامين على عقارهم، والذين وصل بهم حد الاستهتار بالقوانين والتشريعات بحسب بعض الأخبار، بالتوجه نحو كراء مساحات شاسعة من هذا العقار لفلاحين من خارج إقليم زاكورة، مع بداية الموسم الحالي لزراعة البطيخ الأحمر، في حين أن السلطات المحلية والإقليمية لا تحرك ساكنا وتستمر في منعهم من الاستفادة من حقوقهم في هذا العقار، الشيء الذي يتطلب من السلطة الوصية على الأراضي السلالية على المستوى المركزي التدخل لحماية هذا العقار من كل المترامين عليه، وتمكين ذوي الحقوق من الاستفادة منه، قبل فوات الأوان، وبروز تحركات من شأنها زعزعة السلم الاجتماعي بالمنطقة، الذي تبقى من أهم مرتكزاته حماية الحقوق وتطبيق القانون على الجميع، خصوصا في ظل كون منطقة زاݣورة تتميز بتركيبتها القبلية التي تجعل الدفاع عن الأرض في مرتبة الدفاع عن الشرف.

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد