ذ سامر أبو القاسم
يبدو أن المواطن غير قادر على ممارسة العديد من الحقوق في إطار متابعة تدبير الشأن العام والمطالبة بإصلاحات والتعبير عن حاجات وانتظارات، عبر تقديم العرائض للسلطات العمومية وتقديم الملتمسات وحضور الجلسات العمومية للمجالس الجماعية…
ولن يكون المواطن كذلك في ظل غياب التأطير والتكوين السياسي من طرف الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، خاصة وأن هذه الأخيرة يبدو أن لا رغبة لها في ممارسة وظائفها، بسبب اختيارها إبقاء المواطن بعيدا عنها وعن أدائها، وبهدف تفادي الخضوع للتقييم والمحاسبة والمطالبة بالحقوق الدستورية على قاعدة المسؤولية.
علما بأن الأحزاب مسؤولة دستوريا على تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة السياسية والاجتماعية وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، وتشارك في ممارسة السلطة.
ويزيد الأمر استفحالا حين يتعلق الأمر بأشكال عديدة من الخلل، منها عدم مساهمة غالبية هيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في تثقيف المواطن والمشاركة في توعيته وتحسيسه.
فهل يستقيم حال الديمقراطيتين التمثيلية والتشاركية دون إرساء آليات مواكبة ومراقبة قابلة للتفعيل، ودون تفعيل وظائف دستورية لمؤسسات ليس لها من ضرورة إلا ما تقتضيه الحاجة إلى محاسبة القائمين على تدبير الشأن العام، خاصة فيما لم ينجز من وعود وخطط وبرامج ومشاريع، وما يرتبط بالمطالب المشروعة للمواطنين، وما يتعلق بالحق في الدفاع عنها بأشكال حضارية وصيغ مدنية وطرق سلمية؟
فيوما عن يوم، يزيد التأكد من غياب وعي المؤسسات المنتخبة، وطنية ومحلية، باستعجالية النهوض بأوراش الإصلاح، عبر سياسات قائمة على أساس ضمان حقوق الإنسان وحرياته، وعلى قاعدة تجسيد مفهوم المواطنة القائم على الموازنة بين مفهومي الحق والواجب.
وما طول تعثر السياسات العمومية وإفسادها إلا تأكيد على استحالة النهوض بتحديات الحكامة، وعلى انتفاء شرط تجاوز الوعود الموءودة، واستمرار الإجهاز على ما تبقى من مكتسبات للعديد من الفئات الاجتماعية.
ففشل السياسات الحكومية في التعاطي مع النهوض بثقافة حقوق الإنسان، كأحد مخرجات توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، كان له أثر سلبي على المنظومة القيمية للمغاربة، بحيث أصبحت الممارسات – بما فيها السياسية – خارج نطاق التأطير، وعامل من عوامل التراجع وكبح جماح التغيير المنشود.
وبتعطيل آليات تطبيق النهوض بثقافة حقوق الإنسان داخل العديد من القطاعات، وعلى رأسها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، تكون المؤسسات المنتخبة لها المسؤولية الثابتة في مسلسل التراجعات التي تعرفها بلادنا، ويكون قدر الشعب المغربي مع حكومتين أعقبتا الإصلاح الدستوري لسنة 2011 أن تبقى رهاناته مؤجلة ومعلقة، وتظل إشكالات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية مصدر قلق حقيقي للمغاربة في غياب عدالة مجالية، خاصة وأن القرارات الاقتصادية والمالية المتخذة مجحفة في حق الطبقة المتوسطة وما دونها من فئات وشرائح اجتماعية.
لقد عرفت العديد من الدول أزمات مالية واقتصادية حادة خلال العشرية الأخيرة، إلا أنها أبدعت في معالجتها، واستطاعت الخروج منها. لكننا في المغرب لم نعرف مثل حدة تلك الأزمات، ومع ذلك لم يستطع المنتخبون إبداع سياسات جريئة وناجعة، للخروج من الأزمة التي أصبحت مستقرة في بلادنا.
فالحكومة رفعت الراية البيضاء، واستسلمت أمام معضلة النمو الاقتصادي وبطالة الشباب والمديونية الخارجية والداخلية والفقر والفساد والريع، في الوقت الذي يعرف الشارع المغربي تعبيرا قويا عن إرادة الشعب في سياسات عمومية وميزانيات سنوية تعكس طموحات العشرية الثالثة للعهد الجديد، ووضع قطار العدالة الاجتماعية والمجالية فوق سكته الصحيحة.
وما عاد الشعب ينتظر من الحكومات والمجالس الترابية الجري وراء تدبير متهافت وميزانيات تقنية بدون هوية سياسية، هاجس أصحابها الأول والأخير البحث عن التوازن المالي ولو على حساب التوازن الاجتماعي، خاصة وأن السياسات العمومية والقطاعية خالية من أي إبداع، ودون مستوى تحديات المرحلة، ولا تساير الاختيارات والتوجهات العامة الرامية إلى الدخول في مرحلة جديدة عنوانها الأكبر صياغة نموذج تنموي جديد تحتل فيه التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية الصدارة.
ولا غرابة اليوم في تنامي الامتعاض من أداء المنتخبين، خاصة وأن هناك بروز واضح لأزمة حكامة عند تفعيل مقتضيات الدستور في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وفي التطبيق العادل للقانون، وفي التفعيل الملموس والممنهج لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي التصدي الحازم لمظاهر الريع والفساد، وفي تبخيس القاعدة القانونية عموما.
.