بقلم د. خالد علمي –
تتنافس الأمم في التعريف بتاريخها وتستعمل في ذلك الإبداع الفني. وتتباين تلك المحاولات الفنية حسب مستوى وضوح الرؤية والهدف فيها. ومن خلال هذا العرض أطرح ثلاث نمادج أعمال فنية في هذا الشأن من ثقافات وأزمنة تاريخية مختلفة، تجمع ببن عروضها خاصية الفرجة والإثارة في خضم التناقضات المعاشة : الحب والكراهية، الوفاء والخيانة، العدل والظلم، السلم والحرب، الأمل واليأس، التسامح والانتقام، الوحدة والتشتت، التضحية والأنانية، الشهامة واللؤم، الحياة والموت … في حين تختلف فيما بينها في مدى نجاح كل منها في الجمع بين الفرجة والإستفادة السلوكية المعرفية ومدى ارتباطها بالمشاريع النهضوية.
1- مسلسل الجوارح-الكواسر-البواسل السورية :
وهي سلسلة مكونة من ثلاث اجزاء من الفانتازيا العربية السورية للمؤلف هاني السعدي والمخرج نجدة إسماعيل أنزور. وقد بدأ عرضها في تسعينيات القرن الماضي وتم تصويرها في كل من المغرب وسوريا والإمارات.وهي سلسلة تاريخية حاولت تجسيد البطولات العربية والإيثار والطموح عند القبائل العربية لتشكل بذلك بعضاً من الذاكرة العربية وإضافة إلى مكتبة الدراما العرببة. وقد التمست المشاهد فيها نوعاً من البطولية والاثارة الجميلة. وبالرغم من ان بعض المشاهد قد اختل ايقاعها في الجزء الأخير “الكواسر” من هذه السلسلة بحيث جاءت غير مرتبة، ترتفع وتنخفض بدون مبررات مقنعة، الشيء الذي أدى إلى حدوث خلل درامي فيها وترتب عليه توتر أصاب متابعي المسلسل، إلا ان هذا المسلسل يعد من روائع المسلسلات التي حققت مشاهدة واسعة لكن وللأسف فقط على المستوى العربي. هذا و يجب التأكيد ان الاستفادة من هذه السلسلة انحصرت في مستوى الفرجة والإثارة واللغة والأخلاق ولم تتعداها إلى مستويات نهضوية مباشرة.
2- مسلسل Vikings الأيرلندي-الكندي :
يعد مسلسل Vikings أو القراصنة الشمال الأيرلنديين من الدراما التاريخية التي ألفها الكاتب البريطاني الشهير مايكل هيرستن وأنتجها بشراكة الكندي ستيف ويكفيلد والإيرلندي كيث طومسون وكان أول عرض لحلقاته التسعة والثمانين سنة 2013.
وتدور قصة هذا المسلسل حول صعود قبائل الفايكنغ كقوة ذات تأثير كبير في العصور الوسطى المبكرة، وكحضارة ازدهرت في فترة من فترات التاريخ، حيث يروي المسلسل قصص الملاحم الأسطورية الاسكندنافية من خلال الزّعيم راغنار لوثبروك وأولاده الذين قادوا الحملات والحروب في سبيل الحصول على الغنائم والغزو. كما تطرقت أحداث المسلسل للخيانات والمؤمرات التي تعرض لها الزعيم خلال فترة حكمه، والنّزاعات والحروب بين أبنائه بعد موته.
وعلى الرغم من أن العديد من محبي هذا المسلسل شعروا أن العرض لم يكن جذابًا بعد وفاة الزعيم راغنار، إلا أن المسلسل التاريخي تابع مشواره في سلسلة تكميلية تحت اسم Vikings: Valhalla والتي تتحدث عن السنوات التي سبقت نهاية عصر الفايكنج خلال القرن الحادي عشر الميلادي.
وقد رسم منذ عرضه لأول مرة سنة 2013 صورة مثيرة للثقافة والتاريخ الاسكندنافي وما آل إليه مجتمع الفايكنج من صراعات على السلطنة وتجاذبات بين الوثنية والمسيحية دون نسيان إظهار الإسلام في البعض من مشاهده.
ومع ان هذا المسلسل يعد من أضخم الأعمال التاريخية الدرامية وأشهرها، والذي أثبت رفقة مسلسلات اخرى أن المسلسلات التاريخية لا تقل عن باقي الأعمال الفنية إثارة وتشويقًا، إلا انه قد لا يتعدى مستوى الفرجة والمعرفة التاريخية.
3- مسلسل قيامة أرطغرل التركي :
بدأ عرض أولى حلقات المسلسل التاريخي التركي “قيامة أرطغرل” سنة 2014 من كتابة وإنتاج محمد بوزداغ وإخراج متين جوناي والذي تقع أحداثه في القرن الثالث عشر الميلادي، ويعرض مقدمات ودوافع تأسيس الدولة العثمانية عبر عرض لسيرة حياة الغازي أرطغرل بن سليمان شاه قائد قبيلة قايي من أتراك الأوغوز المسلمين و والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية. وقد قام بدور أرطغرل وابدع في ذلك الممثل التركي إنجين ألتان دوزياتان في خمسة مواسم وشاهده نحو 3 مليارات مشاهد في العالم، وبث عبر شاشات في اكثر من 80 دولة، ودبلج إلى 25 لغة مختلفة بسبب الحرفية العالية والمقاييس الدولية التي تميز بها العمل الفني للمثلين وكذلك الكم الهائل من المعاني والعبر التي تضمنها المضمون. وقد كان للمسلسل الأثر الكبير على تركيا من الناحية الاقتصادية نذكر منها مثلا لا للحصر تضاعف عدد السياح الذين زاروا المناطق التي دارت فيها وقائع التمثيل بعشر مرات. كما كان المسلسل سببا في اعتناق العديد من مشاهديه عبر العالم للديانة الإسلامية.
وتدور أحداث المسلسل حول قبيلة قايي في فترة اشتد فيها الضغط المغولي على القبائل التركمانية التي كانت تقطن أواسط آسيا واضطرت إلى التوجه غربًا خوفًا من هذا الخطر المدمر القادم من الشرق. مما اضطر تلك القبائل للبحث عن موطن لهم وسط تخبط يعيشه العالم الإسلامي آنذاك بسبب ضعف الدولة العباسية وتناحر الإمارات الإسلامية والتهديد الصليبي.
يضع المسلسل المشاهد أمام الواقع مباشرة ليصف الوضع الإسلامي في مواجهة التحديات التي تعصف بالمنطقة في إطار القصة التاريخية. ويستبشر بالعمل لولادة الأمة من جديد من خلال طرحه لحلم أرطغرل في تأسيس دولة إسلامية تحمل الراية، وتمنع الظلم. كما يطرح مفاهيم تتصف بعمقها بالنسبة للشخصية المسلمة ولا سيما في ظل واقعها المعاش كالإيمان من خلال ارتباط المسلم بالله، وقناعته بالنصر المحتم، والعدالة التي يدعو لتطبيقها من أجل الخلاص، والظلم الذي يدعو لمواجهته، ونصرة المظلوم التي يراها واجبًا لا مفر منه يقع على عاتق المسلم بالدرجة الأولى، والهجرة التي يجسدها من خلال هجرة القبيلة المستمرة للوصول إلى بر الأمان. ويحذر من الخيانة ولا سيما من الأقربين، وأنها أصعب من مواجهة العدو الواضح، واقتتال الإخوة الذي يرى فيه هلاكًا محققًا لهما، مبديًا ذلك بعبارات صريحة ومخاطبًا بها المشاهد معتبرًا دم الإخوة خطًا أحمر متى ما سال يصعب إيقافه، إضافة لكل هذا يدعو إلى عدم فقدان الأمل بالله، واليأس المحرم والالتزام بالقيم.الدينية السامية. إنه عمل فني ذو بعد إسلامي يروي التاريخ بإحساس الواقع.
فالتاريخ يعيد نفسه.
عند متابعة هذا العمل الفني نكون أمام حقيقة مدى مساهمة الدين في نقل أمم من حالة القبيلة واللادولة والانقسام الاجتماعي والسياسي إلى حالة الدولة والحضارة.
ورغم أن المسلسل يعتمد “الفانتازيا” ويشوبه بعض الأخطاء التاريخية، إلا أن المسلسل هادفٌ يرتقي للمستوى المرجو من الفنون التي يجب تسخيرها لخدمة قضايا الأمة ويندرج في إطار المشروع النهضوي للدولة التركية الصاعدة.
إن من يتابع مثل هذا العمل الفني الرائع من أبناء العالم العربي والإسلامي لا يمكن إلا أن يحس بحالة من الغبن عند التعرف على التاريخ والرموز التي صنعته. فتاريخ المغرب مثلا به لمحات مشرقة امتدت إلى الأندلس مع المرابطين ثم الموحدين وفي مقاومة الاستعمار. لكن هناك إرادة قاصدة في اغتصاب الذاكرة وتغييب رموزها الفاعلة الذين صنعوا مجدًا وكان همهم إقامة العدل ونشر الحق بين الناس
ألم يكن انفع للدولة ان تعرض مثل هذه الأعمال الفنية على شاشاتنا لكي تستنهض الهمم وتلهم المشتغلين بالفن في وطننا بالانخراط في المشاريع النهضوية بدل التجهيل وطمس الوعي، وإلغاء الذاكرة والهوية وهدر المستقبل وتزييف الحاضر*.