بقلم ذ. سامر أبوالقاسم
وضع الطفولة مقلق، وبؤر الاعتداء والعنف لا زالت تتسع، والالتزام بما يتم التعاقد بشأنه غير مطمئن، والحيطة من الأخطار المحدقة غير واردة، والتصريح بكارثية الأوضاع مخيف ومرعب، والفرص الممكنة والمتاحة تضيع.
فعن أي مستقبل نتحدث إذن؟ وعن أي أطفال نراهن لغد أفضل ؟
كان الطموح، ولا يزال، الوصول إلى وضع حمائي للأطفال ضد جميع أشكال الإهمال والاعتداء والعنف والاستغلال، عبر إطار وطني استراتيجي متعدد الاختصاصات ومتنوع التدخلات وغني من حيث إحداث التغيير.
لكن، يبدو أن الواقع مستعصٍ على التطويع في هذا الاتجاه، على الرغم من مضي 14 سنة من اعتماد خطة العمل الوطنية للطفولة “مغرب جدير بأطفاله” 2006 ـ 2015، وعلى الرغم من أننا نقف هذه السنة على نهاية البرنامج الوطني التنفيذي للسياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة 2015 ـ 2020، وعلى الرغم من أنه لم تمض سوى عشرة أشهر على صدور الميثاق الوطني لفائدة الطفولة.
فأين يكمن العطب ؟
أهو في الإرادة السياسية؟ فقد تم التأكيد على حضورها بقوة في الكثير من الخطب الملكية. أم في القدرة على التخطيط والبرمجة والإنجاز؟ فقد أكدت الحكومات السابقة والحالية على حضورها عبر مختلف مواقع المسؤوليات. أم في الإمكانيات؟ فلطالما عبر المسؤولون عن حضورها عبر ميزانيات وطنية عادية واستثنائية، وأخرى داعمة من جهات خارجية، منها ما هو موجه للقطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية ومنها ما هو موجه للمنتخبين والجمعيات والقطاع الخاص.
لماذا الفشل إذن فيما سبق لبدان أخرى أن نجحت فيه، على الرغم من أنها كانت في وضعية مماثلة لبلدنا أو أدنى ؟ أو لم تكن هناك آليات للتتبع والتقييم والمراقبة داخليا وخارجيا بالنسبة للإدارات والمؤسسات ؟ أو لم يتم تقييم تحليل وضعية حماية الطفولة بالبلاد؟ أو لم يتم التحديد الدقيق للطابع المعقد لوضعيات الطفل المغربي بالنظر للاحترام التام لمبادئ الحماية ؟ أو لم يتم تقييم اشتغال مختلف الفاعلين في مجال حماية الأطفال مركزيا وجهويا وإقليميا ؟
قد يلزم الكثير لإقناع المسؤولين بالقطاعات الحكومية ومختلف أصناف المؤسسات الوطنية، بأن الواقع يكشف عدم نجاعة المخططات والبرامج والإجراءات والتدابير، وأن المردودية لا تقاس بحجم المذكرات الموجهة إلى تحت، ولا بحجم التقارير المرفوعة إلى فوق، بل بمقدار ما يمكن أن تحدثه من أثر مباشر على حياة المواطن !!!
ويلزم الكثير لإقناع هؤلاء المسؤولين، ومعهم مختلف الشركاء؛ من منتخبين وجمعيات وقطاع خاص وشركاء دوليين، بأن حماية الطفولة دون مستوى تلبية حاجات وانتظارات البلاد، وغير مستجيبة لالتزاماتها بحقوق الطفل، وغير قابلة للاختزال في أنشطة تحسيسية وتكوينية هنا وهناك، بقدر ما تحتاج إلى ترسيخ مباشر في عقلية وذهنية المواطن !!!
فكم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لتغيير تمثلات عموم أفراد المجتمع، ولتثبيت معايير اجتماعية حمائية للطفولة في بيئتنا المجتمعية، ولإبداع سياسة حمائية للطفولة؛ فعالة ومندمجة ومستدامة ؟
وكم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لتصبح لدينا سياسة حمائية للأطفال قابلة للتبني مجتمعيا، وتشكل امتدادا للقيم والمعايير المشتركة بين أفراده، ولتصبح لدينا مرجعية مشتركة تنضبط لها واقعيا وعمليا ممارساتنا وتصرفاتنا وسلوكاتنا ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لصياغة برامج وطنية (فعلا لا قولا)، وللاشتغال ميدانيا على التحسيس والتوعية بمبادئ حقوق الطفل والأضرار الخطيرة للعنف ضده ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لتطوير المهارات وتوفير الأدوات اللازمة لترجمة هذا الوعي إلى سلوك حمائي فعال ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، ليستفيد الآباء والأمهات من التكوين في مجالات التربية الإيجابية وغير العنيفة وتدبير النزاعات داخل الأسر عبر مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تملكها الدولة ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لتشجيع الأطفال ذاتهم كي يتملكوا المعايير الاجتماعية للحماية، ويصبحوا فاعلا أساسيا في نشر ثقافة حقوق الطفل ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لفرض الالتزام بنشر محتويات تحترم الطفل وحقوقه، وتثير نقاشات منتظمة ودورية حول العنف ضد الأطفال وحماية الطفولة، في وسائل الإعلام ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لإنجاز أبحاث ودراسات وتوفير معطيات معرفية وعلمية متعلقة بحقوق الطفل والعنف ضد الأطفال وحماية الطفولة ؟
كم يلزم من جهد ووقت وإمكانيات، مع هذه الحكومات والمؤسسات المتعاقبة، لتشجيع البحث العلمي حول هذه المواضيع في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية