بقلم الدكتور عزوز التوسي
خرجت وزارة التربية الوطنية مؤخرا ببلاغ حددت فيه منظورها الذي تبنته من أجل الدخول المدرسي المقبل. وجاء هذا التصور بعد طول ترقب وانتظار، إذ لم يكن سهلا البتة الحسم في صيغة هذا الدخول ونحن أمام مطرقتين أولاهما تصاعد وتيرة الإصابة بفيروس كورونا ونسبة الفتك التي بلغت مستوى جعل المغاربة يشدون بأيديهم على قلوبهم ودفعت بعاهل البلاد إلى التصريح بأن من يقول بأن الوضع غير مقلق كاذب، أما ثانيهما فالنتائج التي تحققت نتيجة تجربة التعلم عن بعد والتي تؤكد المعطيات، بعيدا عن لغة التلطيف الرسمية، أنها كانت تجربة غير ناجحة ولا أدل على ذلك من كون ما دُرّس عن بعد لم يؤخذ بعين الاعتبار في الاختبارات.
وقد كان طبيعيا أن يثير قرار الوزارة النقد واللوم وأحيانا أساليب من ردود الفعل أعتقد أنها لا تتناسب مع هذا الوضع الخطير الذي يستلزم من الجميع الجدية والتمحيص والتحليل الرصين عوض التنكيت لآن الأمر يرتبط بأمر جدي ويرهن مستقبل البلاد والعباد.
ولن يكفي النقد والرفض، سواء من طرف المواطنين كأفراد أو كهيئات، بل لا بد أيضا من تقديم الاقتراحات ومساعدة الدولة على تجاوز هذا الامتحان، فالرهان ليس على نجاح الحكومة بقدر ما هو رهان على إنقاذ الإنسان.
لقد لاحظنا، خلال بداية الجائحة، تعبئة غير مسبوقة لكفاءات وطنية في مجال الصناعة والتكنولوجيا من أجل دعم الدولة في إيجاد الحلول الاستباقية لما كان يمكن أن تؤول إليه الوضعية. وتعبأت مجموعة من الفعاليات في مجال اختراع الأجهزة (خاصة أجهزة التنفس الاصطناعي) نظرا للخصاص المهول الذي تعاني منه المستشفيات في هذه الاليات وكلفة استيرادها من الخارج. واكتشف الوطن أن له من الكفاءات ما يمكن أن يعتمد عليها عند الحاجة إن هو أعطاها إمكانية التفتق وسمح لها بإبراز ذاتها وإن هو أيضا تخلى عن عقلية احتقار القدرات الوطنية وعن البيروقراطية العقيمة.
في مجال البيداغوجيا أيضا ينبغي فتح إمكانية الإبداع للخروج من الشرنقة وحل إشكالية تأمين حق جودة التمدرس في مقابل تأمين سلامة ليس فقط المتعلمين ولكن المدرسين أيضا والأطر الإدارية والآباء.
للأسف ظل هذا المجال مغيبا على الإبداع وعلى الاقتراحات. ولم نشهد إلا أفكارا قليلة حاولت الاجتهاد لحل تلك الإشكالية. وكأننا ببيداغوجيينا ومختصينا في مجال الديداكتيك والعاملين في مجال التدريس قد استلذوا موقف النقد كنوع من الهروب من موقف الاقتراح.
فهل يكون هذا الميكانيزم ميكانيزما دفاعيا وآلية التوائية تؤشر على مأزمية الفكر البيداغوجي في المغرب الذي عرف تراكما إنتاجيا كميا لا كيفيا أغلبه ترجمات ومقتبسات (حتى لا أستعمل جمع مؤنث سالم آخر).
فهل عقم التفكير البيداغوجي مرتبط بنوع من الكسل الفكري الذي كرسه النهل مما كتب الآخرون في الغرب والشرق أم أنه نوع من الإحساس بلا جدوى الاجتهاد يأسا من الحكومة واعتقادا في عدم قدرتها على الإنصات ؟
يمكن القول إن الأمر هو نتاج للعاملين معا. إن الناس قد اعتادوا الاستيراد كما اعتدنا استيراد اللباس والزربية التركية والأجهزة الإلكترونية الصينية والآليات الألمانية والقمح الروسي وغيره، فلم لا نستورد التصورات الديداكتيكية والمناهيج التعليمية والقرارات التربوية الفرنسية أو الكندية. إن الاستيراد كأسلوب كسول ومتكاسل يبقى إجراء بسيطا رغم خطورة نتائجه وكلفته الإنسانية. ولما كان الإنسان غير الإنسان بحكم اختلاف سياقاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، فإن الاستيراد البيداغوجي لا يستقيم كثيرا وغالبا ما يؤدي إلى مآل مشية الغراب.
في كثير من الأحيان قد تحمل المصائب والجائحات أمورا إيجابية ينبغي استثمارها في حينها نظرا للضرورة وإلا فإن بعد ذلك لا تعود الحاجة إلى تأملها أو تبيان أهميتها وجدواها. وجائحة كوفيد حملت معها آلاما ومخاوف ومصائب ولكن نبهت إلى إمكانيات إن نحن فوتناها اليوم كفرص ضيعنا رصيدا ثمينا لتطوير مجتمعنا وإنساننا.
وفي اعتقادي أن حيص-بيص الوزارة فيما يرتبط بصيغة التعليم في مثل هكذا ظرف استثنائي مرده أساسا أن الجميع يفكر في حلول ضمن إطار تقليداني كلاسيكي يرتكز على تعلم المعارف عوض اكتساب مهارات الحياة أي تعلم المعرفة من أجل معرفة الفعل ومعرفة الكينونة.
طبيعي جدا أننا عندما نفكر في حل التعلم هل يكون حضوريا أم عن بعد ونحن نخندق أنفسنا في مبادئ الطريقة التقليدية، طبيعي أن نصطدم بمجموعة من الإكراهات ككم المعارف وبالتالي الزمن المدرسي وحصص المدرسين واستعمال الزمن ومراعاة المواد التعليمية. إن مقاربة التعليم بالمضمون والتعليم الكمي والتعليم المراهن أساسا على حشو الأدمغة بأكبر قدر من المعارف، لا يمكن إلا أن تخلق حيص-بيص هذه ليس للوزارة فقط، بل للمؤسسات التعليمية وللأسر وللمتعلمين.
وعندما نرغب في الوصول إلى حل ونحن عبيد تصور قديم وسدنة نظام تقليدي لازال يعتبر أن السبورة هي عكازة المدرس وأن الذاكرة والحفظ هي دعامة المتمدرس وأن المضمون هو المدخل سواء بشكل صريح أو متحايل عليه، عندما نفكر بهذا الشكل لا يمكن إلا أن نسقط في حلول ترقيعية تلفيقية وغير مقنعة حتى بالنسبة لواضعيها.
أيتها السيدات أيها السادة ينبغي أن نحرر عقولنا من طريقة أثبتت عدم فعاليتها سواء على مستوى تشكيل شخصيات أبنائنا (المستوى المتسارع في النزول) أو على مستوى قدرتها على إنجاب كفاءات مفكرة ناقدة مبدعة قادرة على الاستجابة أيضا لمتطلبات الحياة وليس فقط لسوق الشغل.
ينبغي أن نتحرر من كون المدرسة مجالا لتعلم المعلومات، فالمعلومات توجد خارج المدرسة وهناك قنوات أكثر كفاءة من المدرسة لتقديمها. وفي كل الأحوال ومع بروز الطريق السيار الفائق السرعة للمعرفة، فإن المدرسة لا يمكن أن تستمر في وظيفتها القديمة وعلينا أن نؤمن بضرورة تغيير تلك الوظيفة. هذا التغيير لن يتم عبر استبدال البرامج والمضامين ولا بإصدار مؤلفات جديدة تستنسخ مؤلفات قديمة ولا بتغيير السبورة السوداء بأخرى بيضاء. هذا التغيير لن يتم إلا عبر تغيير الطريقة التعليمة أو ما يسميه البعض بالاستراتيجيات الديداكتيكية، أي بوضع وظيفة جديدة نبدأ بتغيير تمثلاتنا لأهداف المدرسة ولتصوراتنا لدور المدرسين ولدور الآباء ولفعالية المتعلمين ولقلب المعادلات المرتبطة بالتعلم.
جائحة كوفيد 19 يمكن أن تستمر بعض الزمن قد يطول وقد يقصر، لكن هذه الجائحة ينبغي أن تنبهنا إلى أن الإشكالية التي انطرحت في النصف الثاني من الموسم الدراسي الماضي وقبل دخول الموسم الحالي ينغي أن تخلخل قناعاتنا التقليدية وأن تدفعنا إلى تفكير جديد. وهذا التفكير الجديد هو الكفيل بإيجاد الحل. التحرر من القوالب القديمة التي تحكمت في مسار التعلم المدرسي هو ما يمكن أن يمنحنا مساحة أوسع لإبداع الحل. والبقاء ضمن النمط القديم لا يعطينا سوى إمكانيات إعادة إنتاج نتائجنا الهزيلة التي عرت عورتها الجائحة.
فما الذي يمنع أن نفكر بمنطق مبدع يجعل من المدرسة مجالا لتركيب ما اشتغل عليه التلميذ خارجها؟ وما المشكل في أن تصبح الحصص الحضورية فضاء لبرمجة وتخطيط ما ينبغي تحضيره أو تقديم ما تم إنجازه؟ وما النقيصة في أن تكون حصص التعلم عن بعد حصصا للبحث والتنقيب والتركيب والتطبيق ويكون دور المدرس فيها موجها ومنشطا عن بعد ؟
إن تقسيم استعمال الزمن إلى حصص حضورية وأخرى عن بعد ستجعل التلميذ بانيا لمعارفه عوض أن يكون مجرد أداة تنفيذ لقرارات تتضمنها مذكرة المدرس غير آخذة بعين الاعتبار مدخلات كل واحد ولا اهتماماته أو وتيرة تعلمه.
تقسيم استعمال الزمن هذا وفقا لمنظور بيداغوجي جديد سيسمح بإمكانية تفويج المتعلمين، مما يتيح إمكانية حضور نصف الفصل فقط وبالتناوب ولنصف المدة المقررة لأن النصف الثاني سيكون عن بعد.
التعلم عن بعد سيكون عبارة عن توجيه وإرشاد وتتبع للمتعلم فيما يتعلق بما خطط له من إنجازات وأنشطة أثناء الحصة الحضورية. ويمكن أن يبرمج ضمن استعمال اشتغال المدرس بما لا يتقاطع مع حصته الحضورية.
في الابتدائي يمكن لمعلمي القسم أن يتناوبا على الحصتين ولا مانع من تقليص الزمن المستغرق لآن الأجدى أن يحب المتعلم ما يتعلمه لا أن يشتغل الزمن الذي نعتقد نحن أنه ضروري لاكتساب الكم المقرر من المعلومات. ويمكن الاجتهاد في الثانوي بنفس المنطق مع مراعاة الاختلاف في الأهداف المتوخاة.
وفقا لنفس المنطق المتحرر، ليس بالضرورة أن يتعلم المتعلمون مجموعة من المواد في نفس اليوم، إذ يمكن أن يخصص اليوم لمادة واحدة تتوزع بين الحضور والتوجيه عن بعد. وهذا إجراء سبق أن تم تبنيه بالنسبة للتعليم الأولي وفقا للإطار المنهاجي الجديد فلم لا يمكن تعميمه في الابتدائي أيضا ؟
هذه بعض أفكار تحتاج إلى كثير من التنظيم وتعميق النقاش وقد تم عرضها فقط لإثارة النقاش الذي ينبغي أن يكون متحررا من المألوف وأن يتميز بنظرة مبدعة بمعنى خارجة عن المألوف، لآن البقاء ضمن المألوف لا يمكن أن يجيب عن إشكالية تطرحها ظرفية غير مألوفة.
—