إعداد مبارك أجروض
مع بدء تفشي COVID-19 في العالم، كان المرض مصدر قلق بشكل رئيس لأولئك الذين تفوق أعمارهم 70 عاما، أو الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، لذلك كانت هذه هي المجموعات التي تم حثها في البداية على “التباعد الاجتماعي”.
غير أنه لوحظ أيضا أن COVID-19 يمكن أن يصيب الأطفال بهذا المرض الخطير، فرغم أنهم صغار في السن وفي صحة جيدة، وجدوا أنفسهم في الإنعاش إثر الإصابة بCOVID-19 ليشكّل ذلك أحد الأوجه الغامضة للوباء، يسعى العلماء حول العالم إلى كشف أبعادها عبر دراسة تأثير المسار الوراثي. تسعى الأبحاث الوراثية المتعلقة ب COVID-19إلى تحديد خلفيات تنوع العوارض، وكذلك قدرة بعض الأشخاص على مقاومته.
قام الباحثون بتحليل فرضية وجود عوامل وراثية تجعل البعض لا يصابون بCOVID-19، وغالبية من عانوا من مرض خطير جراء الإصابة ب COVID-19هم متقدمون في السن ويعانون من أمراض مسبقة. لكن العالم في علم الوراثة جان-لوران كازانوفا مهتم “بالباقين الذين تبلغ نسبتهم بين 4 و5%، هم من دون الخمسين عاماً وصحتهم جيدة”، وقعوا ضحايا شكل خطير من المرض لم يكن تفسيره ممكناً.
عوامل وراثية صامتة
الفرضية هي أن لهؤلاء المرضى عوامل وراثية تكون صامتة لحين التقائها بالفيروس. وانطلاقاً من تلك الفرضية، بدأ ائتلاف “كوفيد هيومن جنيتيك إيفورت” بدراسة حالات مرضى من الصين وإيران وأوروبا وأمريكا الشمالية واليابان. ويجري أخذ عينات من دمهم وتشريح حمضهم النووي ثم تحليل التسلسلات الوراثية، عبر اختيار “عوامل وراثية” لتحديد ما إذا كانت هي “السبب” أو لا، وفق كازانوفا.
من جهته، يلفت الخبير في علم الجينوم والأمراض المعدية جاك فيلاي، النظر إلى أنه “لدينا اليوم الإمكانات لتحليل الشريط الوراثي لهؤلاء الأشخاص، ومعرفة ما إذا كانوا ضحايا لنوع نادر من التحول الجيني، تجعلهم عرضة بشكل خاص ل”فيروس سارس-كوف-2”.
اختلاف الرد المناعي
لقد نجح العلم في السنوات الأخيرة في تحديد عوامل وراثية مسؤولة عن جعل حامليها أكثر قابلية للتضرر من عدة أمراض معدية، كالسل، وصولاً إلى الانفلونزا ومروراً بالتهابات الدماغ الفيروسية؛ لكن الخبراء يشيرون إلى أن اختلاف الرد المناعي من شخص لآخر ليس بالضرورة مرتبط بتحول وراثي واحد فقط.
ويقول في هذا الصدد البروفسور فيلاي “نظامنا المناعي يعمل بشكل مشابه لآلية عمل ساعة ميكانيكية”، التي يجب أن تعمل كافة عناصرها معاً. وبناء عليه، يقول مدير معهد الطبي الجزيئي في هلسنكي مارك دالي، “نحتاج إلى عينة كبيرة جداً وتعاوناً” من باحثين من مختلف أنحاء العالم.
والهدف هو تجنيد 10 آلاف مريض، عبر مبادرة “كوفيد-19 هوست جنيتيك”، ومشاركة النتائج مع 150 مركز أبحاث، وفق دالي، على أمل التوصل إلى “معلومات مفيدة خلال الصيف”.
اكتشاف مسارات علاجية
غير أن الوقت الذي يحتاج إليه تحديد تلك العوامل الوراثية “يعتمد على ما تخبئه الطبيعة لنا”، كما يشير جاك فيلاي. ويزيد توضيحا “قد نجد أهدافاً سهلة التحديد، لكن أيضاً قد يكون علينا العمل لأشهر، بصبر، كالرهبان الذين كانوا يقومون بنسخ الكتب الدينية، نراجع ملفاتنا الهائلة ونجري تحليلات طويلة الأمد”. وإذا ما أثمر هذا العمل عن نتائج، قد يقود إلى اكتشاف مسارات علاجية أخرى أكثر نجاعة.
إذا عثرنا على مؤشرات جينية توجهنا نحو جينٍ سبق أن طور عقار مرتبط به، يمكن لنا حينها فقط أن نعيد تحويل هذا العقار.. لكن من هذه الناحية أيضاً لا شيء مضمون. ففي حال لم يكن هناك دواء مسبق (ضد القصور الجيني الذي جرى تحديده)، فسيحتاج الخبراء إلى 5 سنوات لتطوير جزيئات جديدة.
والأسوأ من ذلك أن الأمر قد لا يقود إلى أي نتيجة، إذ قد يكون التحول الجيني الذي اكتشف غير قابل لـ “التحريك”، أو أن المساس به قد يؤدي إلى آثار جانبية عديدة.
تسعى الأبحاث الوراثية المتعلقة ب COVID-19أيضاً إلى تحديد خلفيات تنوع العوارض، وكذلك قدرة بعض الأشخاص على مقاومته، فهناك ممرضون وأطباء وأزواج بعض المرضى لم يمرضوا ولم يتأثروا بالفيروس، وهذا يوضح أكثر أن الفرضية هنا هي وجود عوامل وراثية تجعل هؤلاء مقاومين للفيروس. وينطبق ذلك على فيروسات أخرى.