الدكتورة تورية العمري
في انتظار كلمة الباحثين المغاربة في الفلسفة وعلم الاجتماع والانتربولجيا والتاريخ وغيرها … للإسهام في النقاش الذي اطلقه صديقنا ” د. مصطفى المريزق ” حول البحث الاكاديمي وما نعيشه من اوضاع مرتبطة بفيروس كورونا. واقع جديد يفرض اتخاذ تدابير مصيرية من اجل الحياة كأفراد وجماعات ويترك اثرا نفسيا يستلزم ضرورة القيام بأبحاث ميدانية من اجل الوقوف عن ذلك وفي نفس الوقت تطوير المقاربات الكفيلة لفهم العلاقة الظاهرة والخفية . في هذا السياق اقترح عرض العلاقة بين البحث التاريخي وعلم النفس وسبل ادماجمهما فهل يمكن البحث عن سبل ادماج علم النفس التاريخي كتيار يمكن من فتح الابواب المجهولة في تاريخ الانسان وعلم النفس ؟ وما هي رهانات القدرات والصلاحيات التي تقرب هذين التخصصين من اجل النبش في الماضي؟ لقد تطرق عدد من الباحثين في القرن 20 لهذا الموضوع وخاصة الباحثين الذين ينتمون “لمدرسة الحوليات” منهم لوسيان لوفيفر الذي اعتبر في كتابه ” التاريخ وعلم النفس” ان علم النفس يعتبر من العلوم الحديثة التي تهتم بالدرجة الاولى بالفرد، وعلم الاجتماع بالمجتمع، اما التاريخ فيمزج بينها في تطوراته الماضية وبالتالي يتجلى التبادل المشترك بين المنهج النفسي والتاريخي والاجتماعي مع ضرورة الرجوع الى المهام الموكولة لكل تخصص على حدى. فالتاريخ اهتم لزمن طويل بتاريخ الاشخاص القياديين من ملوك ومفكرين وزعماء الثورات والانتفاضات ، ويحتكم هذا المنهج الى وضع سلسلة تترابط وحداتها في اطار علاقات التجانس والاختلاف ، وفق احداث سياسية واقتصادية ودينية وثقافية . ان التاريخ ينضم الماضي ويوضحه في اطار احداث تتداخل وتصطدم فيما بينها حول الفرد وحياته وبالتالي حياة المجتمع. لكن ما علاقة القيادي صانع الحدث كفرد بالمحيط اي المجتمع ؟ بصغة اخرى لا يمكن ان نتصور الفرد كقوة مستقلة منعزلة بل يتلقى تأثيرات المحيط سواء كانت قديمة كالعادات والتقاليد او التأثيرات الانية المرتبطة بعصره والتي يتلقاها عبر اللغة التي تعتبر وسيلة جماعية قوية التأثير على الفرد لأنها حاملة لتجارب كالأساطير والتجارب القديمة، اما التقنيات فإنها تنتج ادوات جديدة تأثر على الفرد وبالتالي فان الفرد ليس قوة منعزلة بل نتاج زمنه ومحيطه الاجتماعي. بالنسبة للمؤرخ “عبد الله العروي” في كتابه “مفهوم التاريخ ” والذي قام بالتنقيب والبحث عن مشروعية وحدود البحث التاريخي من منطلق علم النفس وأكد ان “مدرسة الحوليات ” اشتغلت على كيفية استغلال علم النفس في البحث التاريخي لكن روادها لم يشيروا الى ” فرويد ” والتحليل النفسي كمنهاج والذي يمكن من مقاربة الفرد والجماعة وتحديد علاقات الفرد بالتاريخ وموقع نفسانية الفرد الى جانب دور العادي والاستثنائي ، والصحي والمرضي ، والبيولوجي والمكتسب في التطور التاريخي . انها مفاهيم يمكن استعمالها من طرف المؤرخ لكنها تطرح صعوبة اساسية ترتبط اساسا ” باللاتوقيت ” اي الخلط بين العصور والأزمنة . ان نفي الزمن والتأكيد على وحدة النفس البشرية عبر الأجيال ، يجعل الدليل بالمعنى الوضعاني غير موجود في مجال البحث التاريخي النفسي وبالتالي لا يمكن القطع ان التحليل صحيح او غير صحيح وإنما هو تحليل تطمئن له النفس او لا تطمئن. لكن “لوسيان لوفيفر ” يرى ان التقارب بين المؤرخ والمحلل النفساني ليس بالأمر المستحيل خاصة وان البح التاريخي تأثر بالعلوم الانسانية الاخرى كعلم الاقتصاد والاجتماع واعتمد على العلوم البحثة كالإحصاء مثلا ، ومكن ذلك من الابتعاد عن تاريخ الابطال والشخصيات الى الاهتمام بالأحوال العادية والحياة اليومية اهتمت الدراسات التاريخية منذ العقود الاخير للقرن 20 بنوعية الاكل والنظافة والعلاج وعيش الافراد والجماعات ، مواضيع تندرج ضمن تاريخ العقليات. ابرزت ان الانسان في عصور قريبة منا ، قد حكمته مجموعة من التناقضات البسيطة والمعقدة في آن واحد وطرحت عدد من التساؤلات على المؤرخ لتأويل نفسية الاشخاص والجماعات وتحديد سلوكاتها من اجل ذلك أقترح” لوسيان لوفيفر” المنهج التراجعي اي الانطلاق من الحاضر للوصول الى فهم الماضي وتحديد العلاقات الخفية والتحلي بالإقدام في تصويب الحلقات المتسلسلة المفقودة دون الاقتصار على الظاهرة فقط. فالبحث عن العلاقات بين الظاهر والخفي في البحث التاريخي امر ضروري لكنه ليس بالهين ويفرض الاعتماد على الاسطغرافيا من منظور كيفي دون اهمال الجانب الكمي وبالتالي القيام بانتقاء المعطيات لفهم احداث متنافرة لكنها تتضمن ن عندما نسائلها ، مجموعة من المعطيات المتجانسة الواضحة المعالم وتفضي الى نتائج تاريخية. نتائج تحدد علاقة تاريخ الفرد بمحيطه ، تاريخ بطيء الانسياب والتحول ، مكون في الغالب من رجوعات ملحة وحلقات متكررة باستمرار اي ما يعرف “بتاريخ الامد الطويل ” كمفهوم لتصور الكتابة التاريخية عند ” فريناند بروديل.