مصر بقلم:الطيب أديب
(في العام 1999م كتبت هذا المقال في إحدى المجلات العربية محذرا من الحرب البيولوجية القادمة؛ونشر المقال ضمن مقالات كتابي “نحن والغرب وإسرائيل”.!)
(تعد الأسلحة البيولوجية أكثر خطورة من الأسلحة النووية ويرجع ذلك لقلة تكاليف أنتاجها وسهولة تصنيعها واستخدامها من الناحية الفنية والإستراتيجية وقد استخدمت هذه الأسلحة البيولوجية في الحروب لشل حركة العدو وفقدانه توازنه خلال الحرب بإصابة أكبر عدد من الجنود بل والمدنيين على السواء وقد يصل الأمر لضرب اقتصاد العدو عن طريق إصابة الثروة الحيوانية وتدمير المحاصيل الزراعية وتلويث مصادر المياه وغير ذلك !
-استخدامها في الحروب:
وقد استخدمت هذه الأسلحة الفتاكة في حروب سابقة فقد عرفها الأوربيون خلال استيطانهم للشمال الأمريكي، ففي صراعهم مع الهنود الحمر لجأ الأوربيون لتلويث بطاطين وملابس الهنود الحمر بمرض الجدري الذي قضى على أعداد غفيرة من الهنود الحمر العام 1763 م واستخدمها اليابانيون خلال غزوهم الثاني للصين العام 1937 م. ولجأ الأمريكيون خلال فترة حربهم في فيتنام 1968 م إلى استخدام الأسلحة على هيئة مسحوق رذاذ سائل فوق الغابات وفوق تجمعات القوات الشيوعية،وكانت تعرف هذه المواد بالعامل الأزرق ،وهى من سموم الأفاعي التي يتم تركيبها وتصنيعها بالجملة في المعامل،وقد أصيب الآلاف من الجنود الأمريكيين بهذا السم وظهرت آثاره بعد ذلك بسنوات على هيئة أمراض غامضة وإصابات بالسرطان ثم الوفاة ! واستخدم الفيتناميون الأسلحة البيولوجية في لاوس وكمبوتشيا العام 1978م وخاصة الأمطار الصفراء السوفيتية الصنع،والتي استخدمها السوفيت أيضا عند غزوهم لأفغانستان في ديسمبر 1979م.
-أمراض خطيرة :
وأما الميكروبات والجراثيم المستخدمة في الأسلحة البيولوجية والتي تسبب العديد من الأمراض فهي تختلف حسب طبيعة كل نوع ومنها :
– البكتريا : وهى كائنات حية صغيرة جدا لا ترى إلا بالميكروسكوب البصري وهى وحيدة الخلية ، وتتغذى وتتكاثر بالانشطار النصفي وتتسبب في أمراض كثيرة جدا منها : التيفود ، الكوليرا ، السل ، الطاعون ، الزهري ، السيلان ، الحمى المتموجة وأمراض أخرى .
-الفيروسات : وهي أصغر الكائنات الحية ولا يمكن رؤيتها إلا بالميكروسكوب الاليكتروني ولا تتكاثر إلا متطفلة على نوع آخر من الخلايا الحية داخل أنسجة الجسم وتتسبب في أمراض خطيرة منها : الجدري ، الجديري ، الحمى الصفراء ، الأنفلونزا ، حمى الببغاء ، شلل الأطفال وأمراض عديدة .
– الفطريات : وهى كائنات دقيقة جدا ومعقدة التركيب ولا تستطيع أن تعيش بذاتها ولذلك فهي تتطفل على الكائنات الحية الأخرى أو المواد العضوية الميتة وتصيب الإنسان والحيوان والنبات بالأمراض المختلفة كالهيستوبلازموس والالتهابات الجلدية الفطرية . وتستخدم الأسلحة البيولوجية لتدمير الثروة الحيوانية والنباتية وهناك العديد من الأمراض التي تصيب الحيوانات كالطاعون البقري والحمى القلاعية والجمرة الخبيثة المعروفة باسم ” الأنثراكس”.
ومن الناحية العملية تستطيع أي دولة توفير معامل بسيطة مجهزة بأرخص المعدات ليقوم بعض المتخصصين في علم البيولوجي أو علوم الإنتاج الهندسي والتكنولوجي لإنتاج كميات ضخمة من هذه الأسلحة الخطيرة.
– “إرهاب بيولوجي ” : ورغم المعاهدات الدولية العديدة التي وقعت لتدمير مخزون هذه الأسلحة وعدم التوسع في أنتاجها وتحريم استخدامها في الحروب إلا أنه هناك أكثر من مائة دولة تحتفظ بمادة ” أنثر اكس” الميكروب المسبب للجمرة الخبيثة هذه المادة الخطيرة التي تسببت في كارثة مدينة “سفرودلوفسك” السوفيتية العام 1979م بعد وقوع تسرب في أحد مراكز إنتاجها، وهناك العديد من الدول الكبرى والنامية ما زالت تحتفظ بمخزون ضخم من الأسلحة البيولوجية.ونظرا لرخص وسهولة أنتاج هذه الأسلحة بكميات كبيرة وسرعة استخدامها عن طريق إلقائها في منابع المياه أو مصادر الغذاء المختلفة أو استخدام الطيور والبعوض في حملها لنشر الأمراض فان ذلك قد يدفع بعض العناصر الإرهابية أو رجال العصابات لاستخدامها للضغط على الحكومات وتهديدها مما يهدد الشعوب الآمنة وينشر الرعب في إرجاء العالم.وقد تم بالفعل استخدام بكتريا شائعة في أعمال إجرامية ، ففي عام 1984 حدث تلويث لأطباق عشرة مطاعم في مدينة ” زى ديلز ” في أوريجون بالسالمونيلا ، وكانت النتيجة تسمم 750 شخصا في هذه العملية الإرهابية المحلية التي استهدفت منع ناخبي حي بأكمله من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات ، وفي شهر سبتمبر الماضي سيطر الرعب على مدينة نيويوك الأمريكية عندما أشيع عن انتشار الفيروس ( سانت – لويس ) وتسبب في وفاة أربعة أشخاص وإصابة 33 شخصا بفيروس التهاب المخ ، وقام عمدة نيويورك بحملة للقضاء على البعوض الحامل للمرض تكلفت هذه الحملة ستة ملايين دولار وتسبب هذا الفيروس في إثارة الرعب بين الأمريكيين إذ اعتقد بعضهم أن وراء انتشار الفيرس بعض الجماعات الإرهابية لتهديد أمن الولايات المتحدة. ويتخوف الخبراء العسكريون والعلماء في أرجاء العالم من لجوء بعض العناصر الإرهابية أو رجال العصابات إلى استخدام هذه الأسلحة البيولوجية في القرن القادم لإثارة الرعب في أرجاء العالم وتهديد أمن الدول واقتصادها فهل تعيد الدول-خاصة العظمى- النظر في أنتاج هذه الأسلحة وتقوم بالالتزام بالمعاهدات الدولية فتدمر مخزونها من هذه الأسلحة الفتاكة وتحرم إنتاجها في العالم حتى ولو في معامل صغيرة ليعم الأمان أرجاء المعمورة أم أن الرعب البيولوجي قادم لا محالة ؟!).
“من كتابي:نحن الغرب وإسرائيل -مقالات منشورة-صدر عن مرمز الحضرة العربية-القاهرة 2008م