الأغاني المغربية من المقاومة والانتصار بالتعبير إلى الرداءة والانحلال

بقلم :عبد الحق كسال

العمل الغنائي أو الفني عامة، يعبر عن روح وثقافة وحضارة المجتمع في أي زمان ومكان ،والفنان هو جزء من المجتمع لا يمكن تصوره منعزلا .

والعمل الفني وليد عمل إنساني  و وليد المجتمع ،وهو تجسيد لفكرة ما بأحد الأشكال التعبيرية .وسنقف هنا عن الغناء كشكل فني تعبيري عن واقع اجتماعي معاش .وسنحاول الوقوف على بعض النماذج الغنائية من الزمنيين القديم والمعاصر .رجوعا إلى بعض النماذج القديمة وقوفا على أغاني الشيخة  خربوشة مخاطبة في عيطتها القائد عيسى بن عمر ،والذي كان يعتبر من أكثر القواد الجهويين أهمية نهاية القرن 19 بإقليم عبدة .الشيخة خربوشة لا تملك سلطة ولا تملك سلاح مادي ،لكن تملك جرأة وسلاحي غنائي رمزي يحمل دلالات رمزية وأسلحة فتاكة محرضة ،لم ترض الظلم لها ولقبيلتها فأعلنت من خلال أغانيها التحدي وحرضت القبيلة بالتمرد على هذا القائد المفترس بتعبيرها .وحاولت أن تؤكد لقبيلتها أن خربوشة ليست كما يروج لها بالرقاصة ووو فقط وإنما نخوة وعزة وتشفي الجراح ،اذ استهلت أغنيتها ب:

خربوشة ماشي قصارة  وركزة

خربوشة نخوة وعزة تشفي الجراح وقت الحزة …

وتهاجم القائد عيسى قائلة في نفس الأغنية :

تعديتي وخسرتي الخواطر وظنيتي القيادة على الدوام ،في يامك الجيد ما بقالوا شان .

سير ا عيسى بن عمر اوكال الجيفة …يا قاتل خوتوا يا محلل الحرام …

حرقت الغلة وسيبتي الكسيبة وسقتي النسا كيف الغنام ويتمت أصبيان  بالعرام .

هذه ببعض الكلمات فقط مقتطفة من أغنية خربوشة تهاجم فيها خربوشة القائد عيسى وتحاول فضح سلوكاته اتجاه المواطنين وكل الشرائح الاجتماعية ،و أن توضح الظلم والقهر والتسلط الذي يمارسه في زمانه على الجميع وخاصة قبيلة خربوشة .إذ حاولت خربوشة في أغنيتها هاته الوقوف على أشكال تسلط القائد عيسى من خلال استحواذه على الأملاك ،قتل المعارضة له ولسلطته ،كما حاولت أن توضح أن توضح كيف كانت تعامل المرأة والحط من كرامتها كالشاة وتيتيم الصبيان من خلال الاغتيالات …خربوشة رغم الخطورة التي كانت تعي بها إلى أنها حاولت قول الحقيقة والتمرد والتحلي بالشجاعة في أغنيتها وتشبثها في قبيلتها وهذا ما تؤكده في قولها :

واخا اقتلني واخا خلاني مندوز بلادي راني زايدية .

أغاني خربوشة هزت عرش القائد عيسى وجعلت من ثوار أولاد زايذ كلهم حماس لإيقاف ظلمه وجشعه .اذ لم يكن هو وحده وانما القواد في اغلب مناطق المغرب في تلك المرحلة الى جانب القايد العيادي الذي كان يستحوذ على أجود الأراضي وأخصبها ويمارس جل أشكال البطش بتعبير نجيب بودربالة .

سنقف على مثال آخر من الأغاني ويتعلق الأمر بمجموعة ناس الغيوان التي تأسست في ستينيات القرن الماضي بأحد أفقر الأحياء الشعبية بالدار البيضاء (الحي المحمدي) .فرقة موسيقية تراثية لها حمولة تاريخية واجتماعية ،يعود الفضل ل: بوجميع والعربي باطما وعمر السيد وعبدالعزيز الطاهري ومحمود السعدي في تأسيسها .فرقة أخذت على عاتقها مشاكل الناس ،لدرجة أن هناك من وصفها بحركة سياسية من خلال الاقبال على مواقف هذه الفرقة من الطلبة والسياسين  والعمال المتنوريين .خاصة وأن هذه الفرقة الموسيقية كانت تغني كلمات تحمل دلالات عميقة جدا في نمط العيش لدى الفئات الاجتماعية الهشة : (عايشين عيشة الدبانة فلبطانة ) كما كانت أيضا تخاطب أصحاب القرار السياسي لنشد العدالة الاجتماعية والديمقراطية وتجاوز الحيف و الإقصاء (اشنو الفرق بين أنت و أنت وأنا …).بمعنى أن الغناء في تلك المرحلة كان يحمل رسالة ويأخد صفة مقاومة وصوت شعب وتعبير اجتماعي عن أوضاع اقتصادية سياسية اجتماعية .

أما في اللحظة ووقوفا على بعض النماذج الغنائية التي أصبحت تعبر عن هشاشة ثقافية اجتماعية أخلاقية .سنقف على بعض الأمثلة التي لا تستحق الوقوف عليها ،لكن من باب الفضح الاجتماعي والحذر الأخلاقي فقط .نعطي مثال لبعض هذه الأغاني :

باغي نسكر باغي نزطل .

في هذا الكلام دلالة على الرغبة في العربدة والانحراف وأن معالجة المشاكل المجتمعية والشخصية وتجاوزها  رهين بالسكر والتدخين للمخدرات .

مثال اخر:

ارقصي  يا الله جنينيهم .

إشارة إلى الرقص والركض بأجساد عارية تحاول في ذلك تلخيص عظمة المرأة في الممتلكات العضوية والتقليل من قيمتها والحط من كرامتها وأن قوة المرأة تظهر فقط في أشكال الرقص وإظهار الأعضاء ،ضاربة بذلك كرامة المرأة وتكريس الثقافة المنحطة .

مثال آخر :

نقتل عليها ولانهبل

إشارة إلى نشر العنف بكل أنواعه .هذا بالإضافة إلى بعض الأغاني ذات الحموضة الزائدة التي لم تترك أي فاكهة وجعلها وسيلة للتشبيه بأعضاء النساء والتغزل بأساليب بالية جدا لا ترقى إلى  المستوى .في ذلك دلالة على الفراغ الثقافي والفكري وتشجيع البلادة والبلاهة .

والخطير في هذه الأغاني هو الدور الكبير في التشجيع على جل أشكال الإجرام والانحراف والانحلال الأخلاقي . والأخطر في الأمر بدل تدخل الجهات الرسمية في كبح هذه الظواهر تعمل على التجاهل والتغافل كما يتم التشجيع إعلاميا من طرف إعلام  لا يخرج عن سياق البلادة ويخلق البوز للتفاهة

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد