بقلم – الحبيب الدائم ربي
للمهندس السوري زكريا أوزون كتاب طريف بعنوان “جناية سيبويه” يعلن فيه “الرفض التام لما في النحو من أوهام”. ورغم الإطلاقية التي قد تقلل من القيمة العلمية لهذا الكتاب السجالي، فإن له فضل الطعن في شرعية نظام نحوي وثوقي ظل يتحكم في لغة الضاد لأزيد من ألف عام، دون أن يجد من يجرؤ على تبيان جوانب اللامنطق فيه عدا مناوشات محتشمة سرعان ما كانت تخبو نظرا للطابع المؤسسي الذي جعل من النحو، سلطة فوق سلطة اللغة وسلطة المتحدثين بها، في حين كان من المفروض فيه أن يظل مجرد آلة ووسيلة لتقنين المقامات التواصلية وتأمين الفهم. والواقع أن كثيرا من القضايا الإعرابية في نحونا العربي، ولتهافتها، تبدو مثيرة للسخرية، من بينها، مثلا، نائب الفاعل الذي يراد له أن يكون متورطا في فعل لم يفعله أصلا.
فيما الفاعل الأصلي يبقى مجهولا أو مختفيا عن الأنظار لأسباب غير ذات وجاهة. بحيث يغدو “الموقف النحوي” – والحال هذه- كالموقف النقدي في نظر الشكلانيين الروس، الذي لا يختلف عن رعونة تصرف الشرطة حين تعجز عن القبض على الجاني الحقيقي فتداهم أول من تصادفه أمامها، لطي الملف بسرعة، علما بأن بصمات المجرم لا تبرح الجثة! ولعل الغرابة في سلوك ما سماه أوكتافيو بات “القرد النحوي” أن يلفق الفعل للمفعول به على أساس أنه نائب عن الفاعل في جمل مبنية للمجهول. فمن المقبول أن تـُسجَّل قضية ضد مجهول، بمعنى أن يعلق الملف إلى حين لا أن يغلق، وأن لا تزر وازرة وزر أخرى، أما أن يترك الجاني طليقا ويتحمل المفعول به التبعات فذاك هو السؤال.
وكأن القاتل في جملة “قـُتِل َ زيدٌ” هو المقتول نفسه. حينها ستضيق المسافة الدلالية – رغم أنف اللغة ـ بين فعل “قتل وفعل انتحر”، إرضاء لنزوات ضوابط نحوية غير مضبوطة بما يكفي. صحيح أن المناطقة جعلوا للمَنَاب مكانة تكاد توازي بين الـ”هو“ ونائبه الذي كــ”هو” تماما. وإذا كانت الوساطة أو الوكالة أو النيابة لا غنى عنها لتحصيل منفعة أو درء مضرة، فإن “القمح لا يمشي بالرسالة” تبعا للعبارة البليغة التي رددها أسلافنا الميامين. ومعناها أنه لا يجوز بعث القمح، وهو كناية على ما لا يقبل التفويت أو التوكيل، مع وكيل، لأن نائب صاحب المصلحة، في هذا المقام، ليس كــ”هو”.
صحيح أن هناك تأصيلات فقهية في موروثنا الديني تبيح التوكيل في بعض الأمور الخاصة جدا كالخطبة وإبرام عقود الزواج والقيام بمناسك الحج، مثلا، ومع ذلك فإن هذه الإباحة تصبح مثار أسئلة عندما يتعلق الأمر بممارسات لها صبغة مدنية كتفويض الآخرين للقيام بفعل يفترض فيه أن يبقى بين الشخص ونفسه، نظرا لطبيعته السرية، كشأن القانون الانتخابي الجديد الذي خول للآخرين التصويت نيابة عن ذويهم وأصدقائهم بدعوى بعدهم عن الديار، والحال أن العالم صار شاشة صغيرة.
ونحن هنا لا نعترض على قانون تم إقراره، لأنه لا أحد يجرؤ على انتقاد سطوة النحو العربي فبالأحرى القوانين الجاري بها العمل، غير أننا، وفي سياق التنبيه إلى “القردة” أو “الشياطين” – لا فرق – التي تكمن في التفاصيل نخشى من أن تستلب من بعض المواطنين، وباسم القانون، حقوق جاء الدستور الجديد ليؤكدها لا لينفيها، خاصة وأن القوانين وضعت ـ أصلا – لانتفاء الأمانة في عموم الناس.
وبعيدا عن سوء النوايا التي قد تجعل السر مفشيا، متى ما دب الخلاف بين نائب الفاعل والفاعل المفترض، فإن الخطورة قد تتهدد مؤسسة اللغة، والمجتمع لا قدر الله، لو تم الاستغناء عن المصوتين لتنوب عنهم أجهزة الدولة يوم الاستحقاق الانتخابي، وصار التيمم بديلا للوضوء ! إذ سيغدو الوضع كالاستغناء عن اللغة والاكتفاء بألفية ابن مالك والنحو الواضح وهلم أجروميات