التطلعات لا زالت متسمة بالتوجه نحو آفاق ظلامية

بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم 

ميزان القوى في غير صالح القوى الديمقراطية، بفعل العديد من العوامل الداخلية والخارجية، وحظوظ الوصول إلى توافق جديد من شأنه أن يسمح بالاستقرار السياسي والحفاظ على السلم الاجتماعي تبقى ضعيفة.

وفي المقابل هناك صعود مسترسل في الحقل السياسي للقوى المحافظة تحت مظلة الإسلام السياسي، التي تستغل وضعية القوى الديمقراطية المتسمة بالضعف والشتات وعدم القدرة على التأثير في المحيط.

مؤلم جدا أن يعيش المشهد الحزبي هذه اللحظات العصيبة قبيل محطات سياسية مصيرية قادمة بسرعة تفوق سرعات التوقع والتخطيط والبرمجة والتنفيذ داخل أحزابنا، وهي لحظات من المفروض أن تكون مشرقة ومتوهجة، سواء من حيث عامل الزمن الذي كان يسمح بالانكباب على رص الصفوف وبناء الأدوات التنظيمية القوية والمنتشرة في الجهات والأقاليم والمناطق، بما يضمن لها أن تعمل على التأطير والتوجيه والاستقطاب. أو من حيث عامل التجربة التي كانت تتيح إمكانية تحسين وتجويد الأداء السياسي للقيادات الحزبية وطنيا وجهويا وإقليميا، بما يكفل ممارسة السياسة بشكل مغاير على قاعدة القرب من المناضلات والمناضلين وعبرهم من المواطنات والمواطنين.

وتشدنا الحسرة على وضع الأحزاب، المتسم بالعديد من سلبيات الممارسات والسلوكيات التي تسيء إلى العلاقات والتعاملات والتفاعلات العمودية والأفقية الجارية بين أعضائها في القاعدة والقيادة، وهو وضع يسمح بأن تكون الأحزاب قد راكمت تجربة وخبرة وجودة في مجال التكوين، ما يجعل كل الأعضاء الحزبيين في قلب الشعور بالمسؤولية وعلى قدر كبير من الجدية في التعاطي مع أساليب الاشتغال الحزبي، من أجل تحقيق الأهداف والغايات، وهو ما كان سيؤهلهم للعب أدوار ريادية في المشهد الحزبي والوطني.

ويعتصرنا الألم كثيرا لما يحدث للأحزاب اليوم، وما يطفو على السطح من وقائع ومشاكل بالجملة، نتيجة تراكم التعثرات والنواقص والأخطاء، ونتيجة التعنت وعدم الإنصات والهروب إلى الأمام وترك الحبل على الغارب، والانشغال بالتافه من الأمور، والانصياع للحلول السهلة، والخروج عن الرؤية السياسية المتعاقد بشأنها، والزيغ عن سبل تحقيق الأهداف والغايات، والانحراف نحو الاستراتيجيات الفردية، ضدا على منطق التطوع والتضامن لخدمة الصالح العام.

إن القلق لا يمكنه أن يكون إلا عميقا في هذه اللحظة، من عودة السياسة والسياسيين إلى سالف عهد الانشغال بالتموقعات وممارسة الابتزاز تجاه الدولة والمؤسسات السياسية الحزبية، وإهمال كل ما له صلة بتحسين الأداء داخل مواقع المسؤولية المعنية بتدبير وتسيير السياسات العمومية ومواكبتها ومراقبتها ومحاسبة المعنيين بالتقصير في الأداء، وإهمال كل ما له علاقة بالتعبيرات الاحتجاجية على واقع اقتصادي واجتماعي متردي بكل المقاييس والمعايير، وما يستتبعها من عودة إلى اعتقالات ومحاكمات وأحكام وتصعيد واحتقان.

وهو الواقع الذي يتطلب اليوم من جميع هياكل الأحزاب وقيادييها، استخدام أقصى مجهوداتهم بضمير وطني حي وحكيم من أجل استعادة الروح للحياة الحزبية الداخلية على قاعدة التدبير الديمقراطي للاختلاف، ووفق قواعد وضوابط السلوك المتعاقد بشأنها، والإنصات لصوت القواعد الحزبية وتفهم غضبها وقلقها، والانحياز للإنصاف والعدالة التدبيرية للشأن الحزبي، وإعطاء القيمة للعمل المشترك المترفع عن الحسابات السياسوية والضيقة، من أجل إيجاد مخرج للأزمات المتراكمة أسبابها ودوافعها، والمسيئة لصورة المشهد الحزبي بشكل عام، عبر تجاوز المشاكل المعيقة للأداء بالصيغ الممكنة والمتاحة، بما يحفظ كرامة الفاعل السياسي ونبل العمل الحزبي، وبما لا يؤثر سلبا في مسار التشجيع على المشاركة السياسية في صفوف المواطنات والمواطنين.

إن ما يقع اليوم داخل المشهد الحزبي عموما لا يتناغم ما روح العصر، ولا يعطي شحنات تقوية وتعزيز لمسار القطع مع منطق الصراعات والمواجهات الحادة والعنيفة، ولا يؤشر على استيعاب واعي لسياقات العهد الجديد المطبوع بطي صفحة الماضي، والتوجه نحو استشراف الآفاق الواعدة.

ومهما كانت المبررات لهذه الأزمات التي نتخبط فيها اليوم، فإنها لا تخدم صورة المشهد الحزبي، ولا حقيقة الإرادات السياسية المعبر عنها قبل عشرين سنة من اليوم. خاصة وأننا قطعنا مراحل في مجال التعبير عن الارتقاء بالعمل السياسي إلى مستواه النبيل الكامن في تقديم خدمات ذات جودة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية للمجتمع، وفي تحسين شروط العيش للمواطنات والمواطنين، وفي مراقبة المؤسسات العمومية والفاعلين من موقع المسؤولية داخل القطاعات الحكومية ومحاسبتهم من حيث تحقيق الأهداف والغايات.

لم يعد من الممكن اليوم الهروب إلى الأمام، ولا الاختباء وراء الأعذار الواهية، ولا الاكتفاء بعقد اجتماعات وإصدار بلاغات وبيانات، بل الأمر يتطلب إطلاق مبادرات قائمة على الحوار والإنصات والبحث عن الحلول، بل والتفكير الجدي والمسؤول في سبل التعاطي مع المحطات السياسية المقبلة بنوع من التعقل والحكمة والتبصر، وبعيدا عن كل أشكال التهافت والمزايدة وتصفية الحسابات.

وما لم يكن هناك توجه نحو المساهمة في بناء جبهة واسعة على قاعدة تبني الأولويات الاجتماعية للمواطنين، فإن المسار سيعرف المزيد من اختلال موازين القوى، وهو ما يعني أن التطلعات اليوم بالمغرب لا زالت متسمة بالتوجه نحو آفاق ظلامية.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد