ريتاج بريس- بديعة خداد
من بين المواضيع التي أثارت اهتمامي منذ أسبوعين و أنا أطلع على بعض الأنشطة الثقافية المنظمة من طرف مغاربة مقيمين في بلدان غربية، موضوع تحت عنوان ‘إشكالية العنف بين المفهوم القرآني و المفهوم الغربي’. و هو عبارة عن محاضرة ألقاها الإعلامي المغربي المقيم في بلجيكا محمد بحسي في إطار أنشطة المقهى الأدبي الأوروعربي ببروكسيل / بلجيكا يوم 02 فبراير 2019 . و قبل التطرق إلى محتوى هذه المحاضرة المهمة، أود أن أشير إلى أن اهتمامي بهذا الموضوع نابع أولا، من كوني مسلمة ترفض الإرهاب و التطرف و العنف باسم الدين، كما ترفض أيضا إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام ووضع جميع المسلمين في سلة واحدة، ثانيا، لأن صاحب هذه المحاضرة هو مغربي مسلم اشتغل صحفيا مهنيا لعدة سنوات بالقناة التلفزية المغربية الأولى بعد تخرجه من المعهد العالي للإعلام و الاتصال بالرباط (المعهد العالي للصحافة سابقا). وعندما يتحدث صحفي مغربي مسلم مقيم في بلد أوروبي عن إشكالية العنف، فهو يدرك تماما عما يتحدث. لأن هويته الدينية كمسلم التي تتحول مع كل أعمال عنف تتبناها حركة إسلامية في بلد غير مسلم إلى عنصر إدانة بطريقة غير مباشرة، لا بد و أن تضفي على محاضرته قيمة معرفية يقويها حسه الصحفي، و شهادة إنسانية ترفع الكثير من اللبس عن هذا الموضوع الشائك ألا و هو الإرهاب.
استهل ذ. محمد بحسي محاضرته بإعطائه تعريفا للعنف عبر ثلاثة مصطلحات: مصطلح القوة، و مصطلح العنف ثم مصطلح الإرهاب. فبالنسبة لمصطلح القوة فهو مصطلح يستعمل بالمعنى الإيجابي في حياتنا اليومية، كقوة الرأي، و قوة الحجة، والقوة الجسمانية. و القرآن الكريم يستعمل هذا المصطلح استعمالا إيجابيا، و يتجلى ذلك في سورة مريم الآية 12: “يا يحيى خذ القرآن بقوة.” كما أن الكون الذي نعيش فيه مبني على قوة فيزيائية تشكل أساسه المادي و هي قوة إيجابية. فما هو الجانب السلبي للقوة الذي يؤدي إلى انعكاسات سلبية؟ إنها القوة المدانة كما يعرفها ذ. محمد بحسي، القوة التي تستعمل استعمالا خاطئا، وتحيد عن سياقها الطبيعي لتتحول إلى عنف، و هو المفهوم الذي تم التطرق إليه في هذه المحاضرة كثاني مصطلح. فمفهوم العنف هنا يأتي كنتيجة لاستعمال سلبي للقوة. وهو عنف مرفوض في كل الأديان و في كل القيم الإنسانية و في كل الحضارات. و كما يوضح الإعلامي المغربي محمد بحسي، فإن العنف يحول القوة من طاقة ضرورية للإنسان لبناء ذاته و بناء حضارته إلى طاقة تدمير وهدم. و لعل أقوى مثال يستدل به على ذلك، الأورانيوم الذي يستعمل في توفير الطاقة و تحريك عجلة الصناعة و الاقتصاد، و في نفس الوقت يستعمل في القنابل للتدمير و القتل.
إن الإسلام ينبذ العنف و يتجلى ذلك في عدة آيات وردت في القرآن الكريم، أبرزها تلك التي تطرقت إلى أول حالة عنف في التاريخ البشري أدت إلى القتل، ألا و هي حالة قتل قابيل لأخيه هابيل. و كما أوضح الأستاذ بحسي في محاضرته، فإن القرآن الكريم وصف حالة قابيل بالمتردية نفسيا و روحيا نتيجة استعماله السلبي لقوته و سقوطه في العنف، كما جاء في سورة المائدة: “فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين. من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا و من أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا.” و إذا كان القرآن الكريم يدين العنف المؤدي إلى القتل، فهو يدين أيضا العنف ضد الطبيعة كما ورد في سورة البقرة: “و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل.” بالإضافة إلى أمثلة أخرى أبرز من خلالها ذ. بحسي تغليب القرآن الكريم لقوة الإقناع الفكري مقابل العنف المادي، كقصة أصحاب الأخدود و قصة فرعون و طريقة حكمه العنيفة و استضعافه لبني إسرائيل. وكما أشار في محاضرته، فإن كل من يفرض فكره ومعتقداته و طريقة ممارسته للدين بالقوة وليس بالإقناع و الحجة هو فرعون صغير، لأن الفرعنة هي الاستفراد بالقوة.
و من خلال جرد تراتبي للاستعمال السلبي للقوة، يصل بنا ذ. بحسي إلى المصطلح الثالث، و هو مصطلح الإرهاب الذي يبرز بعد مأسسة العنف. فهذا المصطلح الذي يحاول المثقفون و المنظرون الغربيون إلصاقه بالإسلام والمسلمين، في محاولة منهم للإمساك بالمصطلحات بالهيمنة على اللغة الإعلامية و صياغة المفاهيم، يختلف عن نظيره المذكور في القرآن الكريم. فإذا كان الغرب قد بادر إلى وصم المسلمين بالإرهاب وفق منظومة من المفاهيم تبدأ بالتشدد و التطرف و التعصب إلى ألأصولية فالإرهاب، و ذلك في إطار سياسة إقصاء الآخر كمشروع للتحكم و السيطرة و الاستغلال و ليس مشروعا للتعايش كما ورد في موسوعة “إشكالية التحيز” لعبد الوهاب المسيري، و كتابي ‘الاستشراق’ و ‘الثقافات الإمبريالية’ لإدوارد سعيد. فإن مصطلح الإرهاب في القرآن الكريم، كما يوضح ذ. محمد بحسي، لا يعني الإرهاب كما يوظفه بعض مثقفي وأكاديميي الغرب وأيضا بعض مثقفي العالم الإسلامي، مستشهدا بالآية 60 من سورة الأنفال: ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم.” التي أولت تأويلا خاطئا و استعملت كدليل لإلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين. إن كلمة الإرهاب في هذه الآية، يقول ذ. محمد بحسي، لا تعني استعمال العنف و القتل، و إنما لردع العدو. و لأنها أولت تأويلا خاطئا فقد أصبحت تعتبر دليلا ثابتا تستغله وسائل الإعلام الغربية خاصة الفرنسية، عقب كل عملية إرهابية يقوم بها بعض الحمقى المحسوبين على الإسلام، لوصم الإسلام و المسلمين بالإرهاب. إن المفهوم الحقيقي لهذه الآية كما يؤكد ذ. بحسي، هو مفهوم الردع الذي يؤول في معناه العميق إلى طلب السلم. و هذا الردع يوجد أيضا في الفكر الغربي كما يستدل على ذلك من خلال المثل الفرنسي: “إذا كنت تريد السلام، فعليك أن تستعد للحرب.” والتاريخ الإسلامي حافل بالأمثلة التي تدل على سلمية هذا المفهوم انطلاقا من عدة أمثلة استشهد بها ذ. بحسي، مثل فتح مكة سلميا من خلال تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم لمفهوم ‘الإرهاب’ بمعنى الردع.
من خلال ما سبق، يخلص ذ. محمد بحسي في نهاية محاضرته، التي اعتمد فيها على ما ورد في كتاب ‘معضلة العنف’ للأستاذ أبو زيد المقري الإدريسي، إلى تعارض مفهوم الإرهاب في القرآن الذي يقصد به الردع تجنبا للحرب و طلبا للسلم مع ما يروج له من منظور غربي ضيق. و هذا المفهوم، أي المفهوم القرآني، تنبهت إليه بعض الحركات الإسلامية المسلحة، كما حدث مع الجماعة الإسلامية في مصر التي راجعت نفسها جذريا و تخلت عن الصراع المسلح العنيف بل و تبرأت منه.

