بقلم:الطيب أديب( أديب وكاتب مصري )
(كلما حلت أزمة اقتصادية بأي من البلدان العربية راح الحكام وكهنتهم يذكرون الشعوب بصبر الصحابة الذين أكلوا ورق الشجر حتى فرج الله أزمتهم.!
وهم يقصدون عام الرمادة الذي حلت فيه المجاعة الشهيرة بالمسلمين؛والتي حدثت سنة 18 هجرية،واستمرت لمدة تسعة أشهر. فماذا حدث في عام الرمادة؟ وكيف تمكن الفاروق عمر بن الخطاب من إدارة الأزمة؟!
روى ابن كثير في “البداية والنهاية” : أنه”كان في هذه السنة طاعون عمواس، وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس.
وكان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعا شديدا.وسميت عام الرمادة: لأن الأرض اسودت من قلة المطر، حتى عاد لونها شبيها بالرماد.
وقيل: لأنها تسفى الريح ترابا كالرماد.وقد أجدبت الناس في هذا السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة، ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه مِن الأطعمة والأموال حتى أنفذه.واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة، وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم”.
*التضرع لله تعالى:
وروى خوات بن جبير فقال: “خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك؛ فما برح من مكانه حتى مطروا، فقدم أعراب، فقالوا: يا أمير المؤمنين، بينا نحن في وادينا في ساعة كذا، إذ أظلتنا غمامة، فسمعنا منها صوتاً: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص” وروى ابن أبي الدنيا بسنده إلى الشعبي قال: خرج عمر يستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما نراك استسقيت! فقال: لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي يُستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: “اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا” ثم قرأ: “وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ” وروى الطبراني بسنده إلى أنس: “أن عمر خرج يستسقي، وخرج بالعباس معه يستسقي بقوله: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ قال: فيُسقون”.
*طلب الإغاثة من الأمصار:
وكتب الفاروق إلى عماله في الأمصار (الولايات)طالبا الإغاثة،وفي رسالته إلى عمروِ بنِ العاص والي مصر بعث إليه: يا غوثاه يا غوثاه، أنت ومن معك ومَن قِبَلك وما أنت فيه، ونحن ما نحن فيه، فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء، وأرسل إلى سعد بن أبي وقاص فأرسل له بثلاثةِ آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثةِ ألاف عباءة، وأرسل إلى والي الشام فبعث إليه بألفي بعير تحمل الزاد، ونحوُ ذلك مما حصل من مواساة المسلمين لبعضهم، لقد أحسّ عمر بمعاناة الناس، حتى قال أنس رضي الله عنه: كان بطن عمر يقرقر عام الرمادة، وكان يأكل الزيت ولا يأكل السمن، فقرقر بطنُه فنقره بأصبعيه فقال: قرقر أو لا تقرقر، إنه ليس لكِ عندنا غيره حتى يُحيىَ الناس [أي يأتي الله بالحياة والمطر] حتى قال أسلم رضي الله عنه: كنا نقول لو لم يرفع الله المَحْل عام الرمادةِ لظننا أن عمر يموت همّا لأمر المسلمين، وهكذا حلّ عمر رضي الله عنه الأزمة وأرجع الأمة إلى ربها.
وهكذا أدار الفاروق الأزمة التي أحلت بالأمة؛حتى كتب الله نهايتها بعد معاناة استمرت تسعة أشهر.!
ونجح الفاروق -رضي الله عنه- في سنوات خلافته العشر في أن يؤسس أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، فقامت دولة الإسلام، بعد سقوط إمبراطورتي “الفرس” و”الروم” – لتمتد من بلاد فارس وحدود الصين شرقًا إلى مصر وإفريقية غربًا، ومن بحر قزوين شمالا إلى السودان واليمن جنوبًا، لقد استطاع الفاروق عمر -رضي الله عنه- أن يقهر هاتين الإمبراطوريتين بهؤلاء العرب الذين كانوا إلى عهد قريب قبائل بدوية متناحرة؛ يدبُّ بينها الشقاق، وتثور الحروب لأوهى الأسباب؛فوحدها تحت راية الإسلام.
ومما سبق ندرك أن مجاعة عام الرمادة حدثت نتيجة شح المطر في منطقة شبه الجزيرة العربية الجدباء؛ ولم تستمر لأكثر من تسعة أشهر جاع فيها أمير المؤمنين أكثر من عوام المسلمين.! بينما المجاعات الحالية في أغلب البلدان العربية نتجت عن الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية،وسوء إدارة البلاد؛ وتبديد ونهب مواردها الاقتصادية؛وتهريب المليارات لبنوك الغرب.!
أفيقوا؛ وكفاكم كذبا وافتراء وتضليلا للشعوب