وجدة ـ عبد الحليم الهلالي
إن الإجابة عن هذا السؤال يقتضي خلخلة فكرية لغوية لمعنى الحياة فأهم المشاكل التي أعاقت الفلاسفة السفسطائيين هي مشاكل لغوية بالأساس. فهل حقا نحن أحياء ؟ أم أموات بين ردهات هذا الكون؟ أم بين البينين ؟ هذا ليس سؤالا اعتباطيا كما قد يذهب البعض على ذلك، بل هو سؤال وجودي يستفز أعماق الذات البشرية ويستشعر كينونتها ووجدانها: فلم قد أكون هنا؟ لست بصدد الحديث عن الكوجيطو الديكارتي أو فلسفة الوجود حتى، بل هي رغبة في تحديد ماهية الإنسان من زاوية أخرى لا كتلك التي تطرق لها الفلاسفة أمثال أفلاطون وغيره بتحديد جوهر الإنسان وكنهه، بل أتساءل عن ثنائية العيش والحياة من وجهة سيميولوجية تكشف عن أغوار دلالة اللفظين والفرق بينهما…
وقد ورد اللفظان في المعاجم العربية بمعان مختلفة -واختلاف المعنى هنا يعد قضية جوهرية شغلت اللغويين القدماء، أتحدث هنا عن ظاهرة الترادف – عرّفت بعض المعاجم العربية الحياة بأنها نقيض الموت دون خوض في تشريح هذا اللفظ واكتفت بذكر ما جاء من تفاسير لهذا اللفظ في القرآن في حين ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه “المفردات في غريب القران” ست أوجه مما يساق لاستعمال معنى لهذا اللفظ من بين ما ذكر قوة نامية كائنة في النبات والحيوان على حد السواء وقوة حساسة واستشهد على ذلك بقوله تعالى: “إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى” فقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْياها إشارة إلى القوّة النّامية وقوله: لَمُحْيِ الْمَوْتى إشارة إلى القوّة الحسّاسة. وقوة نورانية عاقلة تميز البشر عن غيرهم”…
فالحياة هي تلك القوى الإلهية التي تبعث في أرواح المخلوقات فتسمو بها في عوالم الوجدان والحس والإدراك… يورد الجرجاني في كتابه “التعريفات” تعيينا موجزا بمعان دقيقة يقول: “ويمكن أن يقال في تعريف الحياة إنها صفة وجودية تكسب الحيوان إحساساً وإرادة وحركة ونمواً في حال قوته وحركته لبعضه وقابليته للنمو في حال ضعفه، فالحياة نعمة كونية أنعمها الله على مخلوقاته فدبت فيها روحا وأنسا”.
والملاحظ أن معاجم اللفظ والمعنى قد اتفقت واشتركت في شيء من دلالة اللفظ على معنى موحد فارتبط الصوت بمعناه. ولفظ الحياة من الألفاظ الحية والتي تدل على النمو والارتقاء وقد جاءت أصوات هذا اللفظ لتوحي لنا بعمق الدلالة فالحاء صوت حلقي في أغوار الجهاز النطقي وما تموقعه في القاع لدليل واضح على سمك المعنى وهي أيضا من الأصوات الاحتكاكية إذ يضيق مجرى الهواء في مستوى الحلق بحيث يحدث نوع من الحفيف يحيلنا من جانب آخر على صرخة الإنسان إبان ولادته التي تعكس بشكل من الأشكال بداية الحياة ببداية الألم وهي من الأصوات الضعيفة لضعف صفاته ولان مخرج الحاء من الداخل فنحن نحتاج إلى جهد عضلي عند نطقها أما الياء فصوت غاري مهجور يحيل إلى عمق المتاهة التي يخترقها الإنسان مظلمة موحشة ومرد ذلك إلى التيه الذي يعتور الإنسان في مرحلة من مراحلها ويعكس ذلك حرف المد الألف بينما التاء صوت أسناني شبه مطبق إذا صحت التسمية فعند نطق التاء يلتقي طرف اللسان بأصول الثنايا العليا ومقدم اللثة وهذا الالتقاء ما هو إلا نهاية لتلك البداية وحروف هذا اللفظ تشكل لنا تناسبا موسيقيا لا مثيل له في الأبجديات الأعجمية وذلك جلي في تنوع مخارج حروفه وشاعريتها وتنقلها من عمق الشيء إلى تمدده فنهايته…
هي دلالة سلبية لمعنى الحياة تحيل إلى متاهة يخترقها الإنسان فينجلي له من خلالها ظلام حالك هذا من جهة وقد يدل العمق والتيه على شيء آخر انزواء الإنسان في ملذات الحياة في محيد عن معانيها المستخلصة لها. جاء في كتاب “الفروق في اللغة” لأبي الهلال العسكري تعريف للحياة يقول في معرض التفريق بين الحياة والنماء: “أن الحياة هي ما تصير به الجملة كالشيء الواحد في جواز تعلق الصفات بها فأما قوله تعالى: “فأحيينا به الأرض بعد موتها” فمعناه أنا جعلنا حالها كحال الحي في الانتفاع بها، والصفة لله بأنه حي مأخوذة من الحياة على التقدير لا على الحقيقة كما أن صفته بأنه موجود مأخوذة من الوجود على التقدير وقد دل الدليل على أن الحي بعد أن لم يكن حيا حي من أجل الحياة فالذي لم يزل حيا ينبغي أن يكون حيا لنفسه”.
فالحياة إذن تخلت عن صفاتها وصارت عدما في وجود وهذا من أعظم المفارقات التي جاءت بها الحداثة وفكر ما بعد الحداثة. إن سؤالا مثل: ما الحياة ؟ هو سؤال يضرب وجوده في عمق التفكير الفلسفي وينطوي بداخله على تساؤلات فرعية وجودية ابستيمولوجية.
جاء في “مقاييس اللغة”: “العين والياء والشين أصلٌ صحيح يدلُّ على حياةٍ وبقاء”، قال الخليل: العيش: الحياة. والمعيشة: الذي يعيش بها الإنسان: من مطعمٍ ومشربٍ وما تكون به الحياة”. يورد أبو الهلال العسكري في كتابه “الفروق في اللغة” تبيانا للفرق بين العيش والحياة يقول في معرض ذلك: “إن العيش اسم لما هو سبب الحياة من الأكل والشرب وما بسبيل ذلك، والشاهد قولهم معيشة فلان من كذا يعنون مأكله ومشربه مما هو سبب لبقاء حياته فليس العيش من الحياة في شيء”. فالواضح للعيان إن هنالك بونا شاسعا بين اللفظين ومعنييهما كل يسير في اتجاه معين فالعيش اخص من الحياة التي ترتقي بمعانيها عن ضنك المعاش ولعل هذا التعارض نجده بارزا صارخ لدى الشعراء الحداثيين في قصائدهم بعد أن تغلغلت الحداثة ومنطلقاتها العدمية التي تقصي أي وجود للمعنى والقيم العليا في مقابل تقديس العقل ونبذ كل ما هو آت من الماضي في مجتمعاتنا العربية حتى صار الشاعر الناطق بلسان أحوال مجتمعه يعبر عن غربة في حضن الوطن بعد أن اكتسى هذا الأخير أسمال الحداثة وعنفوان الكآبة. وأبرز من يمثل هذا الاتجاه الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته “طلاسم” فأبان الاسم عن مسماه. كما نجد هذا المعنى أيضا عند يوسف الخال وأدونيس