ملحمة الثعلب (أو كيف يدير رجب الطيب أردوغان الأزمات ؟)

(وجدة) عبد الحليم الهلالي

ملحمة سياسية إدارية عالية أديرت بحرفية مذهلة من الثعلب التركي رجب طيب أردوغان تدرس في فن إدارة الأزمات، فالسعودية التي تناصب أردوغان العداء وشاركت مع الإمارات في دفع مليارات الدولارات لتدبير محاولة انقلاب فاشلة، ثم ضخ عشرات المليارات لهز الاقتصاد والعملة التركية، وقعت أخيرا في براثن الثعلب وقد كانت تدبر عملية قتل جمال خاشقجي على أرض تركيا لهز الأمن التركي وفقدان الثقة لدى مؤيديه وناخبيه، تجثو الآن في انتظار صدور الحكم عليها كمن وقع في المصيدة ينتظر حتفه.

جاءت حادثة اغتيال وتقطيع الصحفي الشهير جمال خاشقجى داخل السفارة السعودية هدية وقعت في حجر أردوغان ليصنع منها ملحمة سياسية وإعلامية يمسك بكل خيوطها شدت أنظار العالم كله كمسلسل بوليسي تلهث خلفه الأنفاس بتسريب بعض معلومات الجريمة بطريقة التنقيط وإطالة أمد التحقيقات والمناورات للخروج بأكبر قدر من المكاسب السياسية.

وقد تمت إدارة الأزمة بحرفية هائلة حيث ألتزم أردوغان في تصريحاته لغة القانون والهدوء ولم يخرج عنها وجعل الأزمة قانونية بحتة تخضع للتحقيق بعيدا عن أي مزايدة سياسية وأمسك بخيوط اللعبة بمفرده رغم مناداة الأمريكان بالمشاركة في التحقيقات والذين كانوا سيثيرون اللغط حول الجريمة لمحاولة إنقاذ رقبة محمد بن سلمان بحسب رغبة ترامب الذي يريد حلب البقرة حتى آخر قطرة في ضرعها.

برغم العداء السعودي لأردوغان، فإنه قبل التحدث إلى الملك سلمان وحادثه بود وقبل بمشاركة فريق سعودي في التحقيقات بدهاء كي يطلعهم أثناءها على التسجيلات التى بحوزته والتي تثبت الضلوع في الجريمة.

في بداية الأزمة بدا ترامب مضطربا مشدوها، ثم قرر أن يجد وسيلة لإنقاذ البقرة الحلوب فبدأ يدلى بتصريحات تبعد الجريمة عن محمد بن سلمان وتلصقها بجهات مجهولة وهو ما قابله أردوغان بمزيد من التسريبات والتي كانت ترسل إلى القنوات الأمريكية مثل CNN وكذلك إلى كبرى الصحف الأمريكية مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست وأيضا إلى دور الصحف الكبرى المؤثرة في العالم، وأشعل بها أردوغان الرأي العام العالمي مع إمساكه بكافة الخيوط. وحينما سافر وزير الخارجية الأمريكي بومبيو إلى السعودية لإيجاد تسوية وغادرها بعدها إلى تركيا وقبل وصوله إلى مطار أنقرة لفرض مساومة تمت معاجلته بتسريب هو الأخطر بذكر تقطيع خاشقجي بمنشار من جانب الطبيب الشرعي على صوت الموسيقى ليثير الرأي العام الأمريكي والعالمي ويضع ترامب في موقف حرج خاصة وأن انتخابات التجديد الكلى لمجلس النواب الأمريكي وتجديد ثلثي مجلس الشيوخ تحل بعد أسبوعين، وهو السبب في إطالة أردوغان أمد التحقيقات للضغط على ترامب وقد أطلع أردوغان بومبيو على تسجيل الجريمة والذي نقله بدوره إلى ترامب.

وفى خضم الأزمة استغل أردوغان الموقف وعرض على ترامب إطلاق سراح القس برانسون والذي كان يحتجزه كورقة سياسية للعب بها مقابل الإفراج عن مدير بنك تركي محتجز لدى أمريكا وكذلك إنهاء العقوبات التجارية التى فرضتها أمريكا من عدة أشهر وقد كان له ما أراد لعلمه بحاجة أمريكا إلى تركيا في الملف السوري والذي طردتْ منه روسيا أمريكا وأصبحت اللاعب الأساسي فيه بجانب إيران وتركيا.

وقد ضرب أردوغان إسفينا بين ترامب وأعضاء حزبه وبين حزبه وخصمه الحزب الديمقراطي لإضعاف موقف ترامب، وهو ما دعا عددا من أعضاء الكونجرس للتقدم بطلب للتحقيق في الجريمة وفرض عقوبات على السعودية بوقف بيع السلاح لها.

فيما تم إرسال الرئيس المصري إلى روسيا كي يطالب بوتين بالضغط على أردوغان لإنهاء الموضوع وديا أو بعقد صفقة، ولم يستجب بوتين للطلب الأمريكي بل وصرح بأن أمريكا تتحمل جزءا من المسؤولية

ذلك الموقف الحرج الذي وضع فيه أردوغان ترامب بدهاء ومكر أرغم الأخير على أن يغير موقفه المتخاذل أمام الجريمة 180 درجة حرصا على عدم خسارته مقاعد مجلسي النواب والشيوخ وهو ما بدا فى تصريح ترامب الأخير المتشدد حيال السعودية من أنها ستواجه بعقوبات بالغة.

كذلك استغل أردوغان الأزمة وارتباك ترامب وأثار موضوع منبج في الملف السوري وهدد بعدم التعاون مع الأمريكان حال تباطئهم.

أردوغان يريد تفكيك الحلف السعودي الأمريكي الإماراتي المصري وإجبار ترامب على فرض عقوبات على السعودية تضرب إسفينا في العلاقات بينهما وتثبت للمملكة أن المتغطي بالأمريكان عريان، وهو ما أدركته الكويت، التي استنتجت من الابتزاز الأمريكي الصريح للسعودية أن الدور لاشك قادم عليها، فسارعت بعقد معاهدة واتفاقية دفاع مشترك مع تركيا منذ أيام، وهو أحد أكبر مكاسب أردوغان من الأزمة، إذ أنه يضع قدم تركيا في الخليج ويصنع لها تحالفا مع قطر والكويت، وبالمقابل يفكك التحالف القائم بين أمريكا والسعودية والبحرين وقد تشهد العلاقات التركية السعودية عقب انتهاء الأزمة تحسنا وتقاربا أكبر.

هكذا أدار الثعلب التركي الأزمة بحرفية نادرة بأسلوب التنقيط والتسوية على نار هادئة خرج منها بكل المكاسب وردع خصومه وأعلى من شأن سياساته لصالح بلده.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد