بقلم فاطمة الزهراء صلاح كاتبة مغربية
تلج النساء الوجديات والجزائريات إلى الحمام البلدي النظيف بفوط الدخول . تستترن ثم تخرجن بعد الاغتسال ، بفوط خيالية مطرزة بخيط الذهب ، تبهر العين وكأنهن عروسات ” ألف ليلة و ليلة .”
ترتاح الوجديات داخل الحمام ” متصففات ” وكأنهن مدعوات وضيفات محتشمات وبهيات وسط صالون عرس تركي أصيل . يهمس الطرب الغرناطي والمالوف في ضلوعهن .
تصل الشابة إلى الحمام ومعها سيدة تحمل شنطة المجوهرات والحلي . تضم الشنطة كل حلي الجارات لتزين الجسد الفتي . اليوم ، يوم الحمام الذي يقام مرة في الأسبوع وعادة الجمعة صباحا .
يبرز المكان مفاتن جسد الأنثى في وتجلياته وصبواته واستكانته وجموحه .
تخلع الشابة ملابسها برفق وغنج كراقصة ” بالي ” كفراشة قز وسط الحرير . نتحلق نحن الصغيرات حولها لنتمتع برؤية فوط الدخول التونسية ، ذات أشرطة ملونة .
يا شرف الحدود! يجتمع المغرب العربي كله في جمال فوطة ” تونس ” في قلب مدينة الحدود الشرقية . تلبس الشابة قباقب في رجليها ، مكسوة بالعاج وكأنها أتت لتوها من ” تركيا ” ثم يحضر الإرث الجزائري وسط الحمام المغربي .
ترنو النساء بعضهن لبعض في وقار ممتع وخجول . كأنهن في روضة عطر الجمال . تغطي فوطة الدخول نصف جسدهن ، من المحزم إلى الركبتين .
أطيل النظر إلى النهود الفاتنة والضوء منعكس على مجرى الحليب المعتم . تمثل النهود في الحمام أجمل لوحات على جدار المرسم . نهود متمردة على السماءِ ، تذكرني بصنمين عاجيين قد ماجا وسط المد والجزر المتاخم للغابات الغجرية في الحمام ، وقد يرغب الحصان الفحل في عبادة الأصنام رغم الإثم ويأبى الوهم أن يتوهم ليسرق من حقول الأنجم .
داخل الحمام ، يبرز جمال الأرداف المغطاة بالفوطة التونسية وقد ألتصقت بأسفل الجسد الساخن . وللنساء أسرارهن حول الأنوثة وقليلا ما تتقاسمنها مع بعضهن . وحين يصل شعر المرأة إلى أردافها، يعلم الجميع أن لها مكانة خاصة في قلب زوجها ..
أتعجب لماذا تطيل المرأة الدعك بالليفة والصابون ، وتستعمل أصابعها بطريقة فنية تجعل البشرة تلمع وسط بخار الحمام . ما أصعب أن تتكلم المرأة في الوصف الممنوع وبدون صوت ..
حكت جدتي يوما أن الجزائرية تشتهر في ” وجدة ” بجمال وكبر حلمة الثدي كنبع لذة حمراء تشعل الدماء في صلاة المؤذن . وصل نداء “الله أكبر ” والعشق صلاة المتصوف المتعبد . حلمة خمرية تحمر بلظى حرارة ” البرمة وجهنم البيت الثالث ” مرتع النقاء وصقل الشعر الذهبي .
كان الحمام مرتع الجمال الفاتن المختلط بين الدماء والأجناس .
أرى النساء تغسلن شعرهن ب ” الغاسول ” المعطر بكل الأعشاب وتتركن الحمام وهن ملفوفات في الفوط الجزائرية المطعمة بالحضارة العثمانية وبغطاء ” البنيقة ” على الشعر وهي مطرزة ب ” السوطاج ” وكأن حريم السلطان العثماني قد حضر !
تنزل تركيا بعتادها وازدهارها وتحضر وسط بهو الحمام . وتبتهل الحضارة في الاختلاط . ” تلمسان ” حاضرة في وجدان ” فاس .” وأنا الأمازيغية الصغيرة ، أتسمر أمام العروسة التي احمرت بشرتها البيضاء ، أنظر إليها وهي تلبس أحسن ما لديها .. وصلت حقيبة الذهب .
تعشق الوجديات ” السياغة والحلي والمسايس ” التي تظهر الأنوثة وتباع عند الحاجة وذاك هو صندوق التوفير عند المرأة . ” ها هي الفراجة بدات ، ” أتفرج على البدر المضيء واللباس البهي ، وأنغمس في التقاليد العريقة التركية – الجزائرية – المغربية .
العري ، داخل الحمام ، يذكرني بتاريخ ميلادي . من شكلني طفلة – إنسان ؟ اتصال جنسي عابر .. أسقطت فيه أمي السروال إلى كعبيها ورفضت أن تتعرى لأن جدتي ربتها على عدم التعري .
العري من أكبر العيوب والآثام ويقلل من قيمة الزوجة الشريفة عند الزوج . لا تتعرى إلا البغي وتطلب مالا مقابل ذلك ، هذا ما أكدته جدتي . تعلمت أمي أن لا تنطق بالكلمات السفيهة وهي في حضن زوجها ، فذلك يدخل في قاموس العهر .
يمنح الرجال نصف أعمارهم للاستماع لهذا الكلام ” لكبير ” السفيه ويشتاقون إليه بل يبحثون عنه في أزقة الفوانيس الحمراء ، لأنه يدخل في خانة الممنوع !
والممنوع لذيذ ويحظى بالطلب سرا لأنه يشعل و”يقدي النار الحمرا فجوف المنحور . ”
وقليل من الحب يكفي