ويحدثونك عن الكتابة

بقلم رزاق عبدالرزاق

ينقسم الكتاب إلى أصناف متعددة، منهم المحضوضون ومنهم المنبوذون. منهم المنتحل اللعوب الذي  يتاجر بالألفاظ بدون اكتراث  أو وخزة ضمير و يبيع جداول الحروف كما تبيع المرأة البوهيمية  الفطائر، في الأماكن المكتظة بالناس قرب الصوامع والمحطات الطرقية. الصنف السيئ الحض (لا أنكر بأني واحد منهم) هو الذي أصابه فيروس الكتابة وهوس التعبير الأدبي، في زمان لا قراءة فيه إلا للوثاق الإدارية، وفاتورة استهلاك الماء والكهرباء، وورقة “التييرسي” أي سباق الخيل. كيف للكتاب أن ينتشر بين قوم يرون في حامل القلم الذي لا يوظف كتاباته من أجل المال إنسان غبي وجب تخطي اسمه؟ وغالبا لا يتم رد الاعتبار لمثل هؤلاء الأدباء الغير المتجانسين مع عصرهم، إلا بعد الموت، وذلك بحقب وسنين. ولنا في مؤلفات ماركيز دي ساد ولوتريامون  أحسن مثال للاستئناس به.  ويرجع الفضل في إحيائهما الرمزي  بعد الموت إلى مستكشفي اللغة البنيويين والمحللين النفسانيين.  فبالنسبة ل ماركيز دي ساد  كانت إعادة قراءته مجدية وصائبة من طرف العالم الشهير سيجموند فرويد، الذي بني إحدى  نظرياته(sadisme على الإرث الأدبي الذي تركه الكاتب الفرنسي  بعد موته، والذي سجن لمدة طويلة بسبب أفكاره،  خاصة تلك التي وردت في كتابه الشهير “  الفلسفة في المخدع “(La philosophie dans le boudoir ). يحدث نفس الشيء مع لوتريامون صاحب التحفة الأدبية “أنشودة مالدورور” (Le chant de Maldoror) ، لكن  رد الاعتبار جاء هذه المرة على يد الأدباء السرياليين، ويتقدمهم أندريه بروتون مؤسس هذه الحركة الفكرية ، والشاعرين بول إيلوار و لويس أراغون.

  إن الأدباء المتميزين ، وهم قلة، يقدسون الحرية ويترنمون بمحاسنها  في محرابها السجي،  لكن عندما يضيق الأفق أماهم ، تبقى الهجرة هي الحل و الملجأ، رغم المغامرة الوجودية التي يقحمون فيها مصيرهم. وكإشارة إضافية يلاحظ أن الهجرة هي الأخرى تتشكل من نوعين : هجرة جغرافية تثبتها الرحلات من قطر إلى آخر، وهجرة روحية ذاتية لا جغرافية، ولا تعترف بالحدود المادية، لأنها تكمن و تقع داخل الدهن. وتجسد هذه الهجرة في عمقها انزواء وانطواء على الذات ، الجسد مسجون والخيال يحلق في الأجواء حرا طليقا . ما عدا التعذيب الجسدي المفضي للموت قصرا،  فالأدباء ذوي  المخيلة القوية لا يموتون في السجن إلا نادرا ، وحتى لو قضوا في الزنزانة عشرات السنين . الشعر هو الذي أنقد نلسن  مانديلا من الدمار الشامل طيلة أزيد من ستة وعشرين  سنة قضاها وراء القضبان  ، كما فتح آفاق فسيحة للشاعر الروسي الحائز على جائزة نوبل للسلام، والذي كان يفر بشعره من داخل السجن باستعمال قطع  الصابون نقش  عليها أبياته الشعرية

الكتاب الجادون هم في خدمة الإنسانية جمعاء، لكن عندما تجف قنوات التواصل مع محيطهم يبحثون  عن الفرصة الأخيرة للتخلص من عزلتهم، لإتمام مشوارهم الأدبي في فضاء أقل  اضطهادا، وفي  أماكن مغايرة  يجدون فيها اهتماما و أعينا قارئة، وأناسا أكثر قابلية وتفهما للفعل الثقافي بصفة عامة. أتذكر كلاما يروع القلب قاله إدريس الشرايبي قبل جمع حقيبته والالتحاق ببلاد المهجر: “وصلت إلى الباب  المسدود إما الانتحار أو الحمق” . من حسن حض هذا الكاتب الجديدي أنه استطاع أن يتخلص من الكابوس الذي كان يهدد وجوده ، فوجد ملجأ في بلاد فيكتور هيجوا . نفس الأمر يحصل ل محمد خيرالدين الكاتب الأمازيغي المشاغب . مع الأسف لم يتغير مزاج الكاتبين بتغير بلد الإقامة، و لم يذهبا بعيدا في حلمهما. كلاهما رجع إلى مسقط الرأس منهزما في معركته الأدبية

أما محمد شكري مؤلف ” الخبز الحافي”  فلم يكن أكثر حظا منهما . كان يعيش في وطنه كما في المنفي، لأن كتاباته أزعجت بعض المحافظين. لم يستقر به الكيان إلا في بلده وفي مدينته المطلة على اسبانيا، لذلك عاش هو الآخر كابوسا  دائما، بين التهديد بالتصفية الجسدية من طرف السلفيين،  و لامبالاة  الرسميين القيمين على شؤون الكتاب والتمدرس.  عندما إلتقيته في طنجة في الحانة المفضلة لديه، كنت مصحوبا بإذاعي  استضافني  لبرنامجه الليلي يومين قبل  اختتام فعاليات المهرجان الوطني للفلم في صغته المتنقلة، وجدت شكري في  حالة توتر، لأن “خوانجيا” عكر مزاجه. كان شكري يخفي سكينا تحسبا لكل الطوارئ . وحتى أتناء حفل التوقيع الذي نظمه المعهد الألماني بالرباط حين كان هذا المعهد يهتم بالثقافات الأخرى غير الجرمانية،  بمناسبة صدور كتابه” زمن الأخطاء” والذي أصررت على حضوره مهما كانت الطوارئ ، كان الكاتب يبدو في حالة توجس قصوى، ربما لتخوفه من العاصمة.

عندما يصير الإبداع عبئا لا يطاق، رغم كل تجلياته الجميلة،  يرمي المبدع المحاصر  بجسده المرهق وبعقله الحائر في بحر اليأس ،  لأنه لم يجد حوله جوابا شافيا للسؤال المحرق والمؤرق لخلايا الدهن: “ماذا أفعل في هذا العالم المجنون؟ ” وربما يعيد  صرخة  بودلير المدوية  “متى ستقررين دفني أيتها الساقطة  النجسة”.

العالم يمشي بخطى حفيفه ومتسرعة نحو المجهول،  وبكلمة العالم هاته أقصد الجنس البشري والبيئة المحيطة به . من حسن الحض أن الأرض لازالت تتحمل حماقات بني آدم ، الذي حولته نزعة الانتقام إلى وحش شرس. ها نحن اليوم نرى  إلى أي حد وصل التنكيل بالأخر. إن داعشية الدول الاستعمارية لا تقل وحشية من داعشية جماعة متطرفة  تؤمن بقانون الغاب  وبالقصاص ” اليد باليد والعين بالعين“.  سوف لن تتوقف دوامة العنف والانتقام، لأن العنف والكراهية يولدان شبيههما، ولو اختلفت موازين القوة، بين الفرق المتناحرة.

أما الكتاب المضطهدون في بلدانهم عليهم أن يبحثوا عن شاطئ الأمان، لكي لا تصلهم شظايا هذا النزاع المفتعل وهذا التطاحن الوحشي الذي لا يستحق حتى الكتابة عليه، لأنه ميكيافليي الصنع وشيطاني الأهداف  والمرامي . من بينها الترامي على ملك الغير بالقوة والجبروت. نعرف خاتمة هذا السجال الدموي  قبل اندلاع المواجهات ، لأن الفوضى الخلاقة التي ابتدع فلسفتها صقور الاستعمار الجديد في العقدين الأخيرين هي التي أنجبته من أجل تغيير الخرائط الجغرافية، خاصة في المناطق النفطية. لأن خبراء النفط يندرون بانقراض هذا السائل الثمين  في الثلاثينية المقبلة ، لذا وجب تامين بعض الاحتياطي لتخطي الأزمات الآتية لا محالة. ولن تتم هذه العملية دون سكب دماء الأبرياء ونشر الدمار وتهجير البشر من أوطانهم.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد