حسن السوسي
هل المشكلة في الإدانة أم في الأحكام؟
ينبغي الحسم في هذين المستويين أولا بأول. وبالتالي، هل المشكل في عدم التناسب بين العقوبات وبين الارتكاب، أم إن العقوبات لا تقوم على أي أساس بمعنى منعدمة الموضوع لانعدام الارتكاب.
إن التمييز هنا ضروري لاتخاذ موقف أو إبداء رأي في الأحكام التي صدرت أمس في حق نشطاء الحراك الاجتماعي في الريف.
ليس هناك أدنى شك في قسوة الأحكام، أي أحكام، بالسجن والحرمان من الحرية بغض النظر عن مددها الزمنية. ذلك ان هذه الأحكام لا تنحصر في الأفراد الذين اتخذت في حقهم فحسب، وإنما تتعداهم إلى أسرهم وذويهم الذين عليهم دخول مراحل جديدة من المعاناة والحرمان. وهذا يعني تداخل معاناة المعنيين مباشرة بها والمعنيين بصورة غير مباشرة لأسباب القرابة أو غيرها. علاوة على ما سيكون لهذه الأحكام من المضاعفات الأخرى على مختلف أوجه الحياة الداخلية والخارجية للبلاد.
وليس هناك أدنى شك في ضرورة معالجة الاختلالات أو الخلل الذي يبرز من حين لآخر في العلاقة بين المواطنين أو بعضهم بالأحرى والدولة، لأن استمراره دون معالجة ناجعة يعني سد أفاق إصلاح ذلك الخلل وتجاوز تلك الاختلالات. وهو أمر يحبل بكثير من دواعي القلق، إن لم يتحول إلى مخاطر جدية في فترات بعينها.
وهنا يمكن الحديث عن أساليب عديدة قد يتم اعتمادها في عملية الإصلاح والتجاوز، يأتي في صدارتها التوجه إلى معالجة الأسباب القريبة والبعيدة لتلك الاختلالات واعتماد وسائل الحوار الاجتماعي والسياسي الوطني عند تشخيص تلك الاختلالات كما عند العمل على التصدي لها.
وهذا يقتضي وجود وتضافر إرادات المعنيين بالبحث عن الحلول على مستوى الدولة ومؤسساتها كما على مستوى المجتمع ومؤسساته السياسية والنقابية والحقوقية. ذلك أن خصاصا يعاني منه طرف من هذه الأطراف على مستوى الإرادة يحكم على كل مسعى إصلاحي بالفشل حتى قبل انطلاق خطواته الأولى.
وبطبيعة الحال، فإنه لا مناص أحيانا، وخاصة عند استنفاد وسائل المعالجة المباشرة والحوار المنظم حولها، من اللجوء إلى القانون، بمعناه الأسمى ومسؤوليته في البت في المنازعات بين مختلف أطراف المجتمع أو بين بعضها ومؤسسات الدولة. أي القانون ليس باعتباره أداة لقمع التطلعات المشروعة للمواطنين في حياة كريمة، وإنما لردع التجاوزات التي يلجأ إليها بعضهم ضمن ظروف محددة تضعهم في مواجهة مفتوحة مع مؤسسات المجتمع والدولة المسؤولة على استمرار العيش المشترك والاستقرار الضروري للجميع.
ويبدو لي أن كل محاولات اخراج مسألة الأحكام في حق نشطاء حراك الريف عن الإطار المحدد لطبيعة المؤاخذات ودرجة ونوعية العقوبات يؤدي حتما إلى معالجات أقل ما يقال فيها إنها ترتبط بالعواطف والهواجس وربما بنظرية المؤامرة أحيانا. وكلها مفردات لا تسمح بإعادة النقاش إلى جوهره الموضوعي الذي ليس غير العمل على معالجة الاختلالات التي تؤدي من حين إلى آخر إلى مواجهات مفتوحة بين الدولة وجزء هام من مواطنيها. وكلها مواجهات محفوفة بالمخاطر على حاضر ومستقبل البلاد.