فاطمة الزهراء صلاح: كاتبة مغربية
كان سني ثمانية عشر سنة وكنت وحدي في عاصمة الموضة والأضواء وجامعة ” السوربون ” التي حلمت بالدراسة فيها.
أخبرتك عائلته أنه ترك ثلاثة أولاد من زوجة فرنسية أحبها ..
حلمت بمقابلة إخوتي منه لعل ذلك يشفي أنيني . لم أحمل ورقة تسجل عنوانه . حفظته من أول يوم وسكن ذاكرتي ! أردت النبش في تاريخي المعطوب وبقاياه !
النهايات محطات لا تنمحي من الذاكرة .
بمجرد وصولي إلى الفندق ، أخذت ” تاكسي ” فرنسيا نظيفا ، يرتدي سائقه هنداما ترتاح له العين . النظافة من الإيمان ، يقول جدي .
لم يزعجني سائق التاكسي ، ولم يفرض علي سماع أية موسيقى، ولم يخرج لسانه من النافدة ليبزق على وجوه المارة ” بتنخيمته ” المعدية ! جلست على المقعد الخلفي . أسترق النظر إليه وأسقطه أرضا، حين يأتي دوره ليحقق في وجهي الثائر الفتي ،عبر مرآته الأمامية الصغيرة . وكان حوار صامت تتخلله عدة أسئلة، وسأكتشف ، بعد ذلك، لماذا؟ ويقشعر بدني كالقطة تحت ” دوش ” بارد .
يا فاطم الزهور، صاحت جدتي يوما : أصبحت شوارعنا ومدننا اليوم مزابل تدمي القلب ،ويندى لها الجبين . تكاثرنا وامتلأت بنا الأماكن . ولت أخلاقنا ومبادئنا . أصبح شغلنا الشاغل ، هو البحث عن المصلحة الخاصة. تاهت قيم المدن والقرى وكل ما هو خارج بيتنا لا يعنينا . إنه زمن الرداءة !
نظرت إليها وأطرقت .
وصلت إلى زقاق ضيق في منعرج الشارع الكبير . رأيت المخابز والحلويات ، وكل الأجبان الفرنسية ، ولم أكترث ! لفتت انتباهي حافلة كبيرة للشرطة، ودور أبوابها مشرعة ، للعاهرات .تصيح المسنة الفرنسية وتستشهر محاسن ولذة الجسد البشرى .
لم أكن أعرف أن العهر يستشهر في أزقة عاصمة حقوق الإنسان ، ومواثيقه . سأكتشف بعد ذلك في سفر آخر كثيرا من النساء معروضات كالسلع على واجهات زجاجية تجارية ،خاصة بالدعارة ، في أزقة الفوانيس الحمراء ب” أمستردام “، عاصمة هولاندا . ويصيبني الذهول . أتساءل لم نلعب الأدوار ، ونخفي الدعارة وهي حاضرة في أماكننا ..
مشيت في الزقاق الفرنسي الذي لا نهاية له . تدثرني الحشمة والأسئلة . لماذا سكن هنا واسع العينين؟ أبحث عن الرقم 4 والخوف يرافقني ، والترقب يشتت عظامي ، والفرحة الغبية تغمرني .
يمثل الرقم 4 ينبوع الطبيعة ، ويرمز إلى فصول السنة الأربعة وإلى العالم باتجاهاته الأربعة . أنا اليوم في رحلة الفصول ، ومبادئ الرياضيات الأولى . إنه البحث عن تاريخ واسع العينين الفرنسي ، والجواب عن السؤال .
كانت أحلام الليل والبحث عن العنوان يظللان وحدتي، وأنا أنظر إلى أرقام المحلات . اقشعر بدني وأنا أقرأ رقم المحل أمامي ، أمام عيني ، 208 ! لقد بدأت الزقاق ” بالمقلوب وغادي يطول بيا الحال والوقت ولمكان . ”
بدأته من آخره يا شرف الحدود ، ومشيت
كانت أنوثتي طاغية ومثيرة ، في حي العهر .. وسيجر علي هذا ويلات المحبطين .
هدفي واضح ” ف راسي .” أبحث عن المختفي . تركت مطار ” طرابلس ” بليبيا ، مزهوة بأجمل الملابس الإيطالية ، من شارع الاستقلال . كان الكعب العالي من ” روما ” يطقطق على الأرض ، ويفصح عن الغنى الفاحش الذي بدأت أتخبط فيه نظرا لمشاريع البناء التي يديرها زوجي في بلاد الذهب الأسود ودنانيره ! ينسدل شعري الحريري الطويل، ويميل يمينا وشمالا احتفاء بالجمال والشباب ، ومعلنا عن أحسن وأغلى مواد التجميل .
فاح عطري الفرنسي البرجوازي العتيق وجر نحوي، وأنا أمشي ، مغاربيا ساومني بأغلى الأثمان في جسدي وبفرنسية ركيكة . قال إنه سيطعمني في أرقى مطاعم ” باريس ” ب ” الحي الخامس ” و يشتري لي ” باكية ديال مارلبورو ” ليتمتع بأناملي الطويلة ، وأظافري المصبوغة ، وهي تشد على السيجارة الأمريكية بغنج . أنفث على وجهه ” ريحة لبلاد . ” ثم نشرب ” الويسكي ” بالنهار .
بعدها يرافقني إلى بيته بالحي المختلط ، حيث متجر ” تاتي ” ، المكتظ بالعمال ، الذين يقتسمون البيوت الضيقة ” الهاترة ” و المعطوبة مع أصدقائهم الكادحين . بعدها أسخنه وأخفف عنه الوحدة في فراش ضيق ..
أنظر إلى جسدي الغض ، إلى شعري البهي ، إلى كعبي الجلدى الحقيقي . تبرز حلمتا صدري من تحت سترتي . أطلق عليه رصاص الكلمات بالأمازيغية القبائلية . ” يضربو الضو ” يصعقه ! كان قبائليا مثلي ، ومن الأوراس .. أنتفض ، أسخن ، أبرد ، أرتجف ، أتسكع ، أبكي وأسأله عن الرقم 4 ! و لم يفهم !
يا ليته فهم الأنين ! الكل رخيص وغال ، في آن واحد ، من أجل ساعة واحدة تلتصق فيها الأجساد الغريبة . أنضج ” كبرتني ليام دغيا . ” أكتشف أن الرجل أكثر هشاشة من المرأة .
يرحل بي الزمن إلى رواية ” كانديد ” للأديب الفرنسي ” فولتير ” ، وها أنا في ” الإلدورادو ، ” النعيم الفرنسي وسط الغبن والسخرية والخيال .
أتبع سراب الحلم المسروق المضني . أبحث عن سلام النفس، في عمق الروح .
كنت يا فاطم الزهور ، ” كانديدة ” الشابة المراهقة المتزوجة البريئة .. عاش ” كانديد ” ، وترعرع في منزل عمه ، الذي أسند تعليمه إلى أحد الأساتذة المرموقين حيث رسخ فكر التفاؤل وحسن النية داخله، مما عزله عن العالم الخارجي . وكذا فعل سكان درب ” كدان ” بك . دفع الأستاذ ” كانديد ” إلى رمي كل الأقنعة والاحتفاظ بسذاجته . توسمت أنا الخير ووضعت الثقة في الجميع حتى ” ضرباتني المطرقة القاصحة للراس . ”
في هذه الرواية الفلسفية الخيالية ، يا فاطم الزهور ، هناك عدد من الأحداث التاريخية القاتلة التي تشبه حياة أمك وأبرزها حرب السنوات السبع ، ويبقى هول السؤال بالنسبة لأمك ، كان أطول .
نظرت إلى ذلك المنبوذ في دروب فرنسا ، وكررت : إني أبحث عن الرقم 4 .. أبحث عن تاريخ واسع العينين ، هذا الذي تخلى عن أمي ، وجعل من مسكنه نقطة سوداء في هذا المرتع البئيس .
ابتسم الجزائري الفرنسي ونظر إلى الشرطي ، رمز القوة الفرنسية في أماكن الشغب الكادحة الهشة ، خاف ثم اختفى كقط أليف .
تابعت المشي ولم تنته الأرقام ، وأعين الرجال تتبعني، وتتساءل عن سر وجودي هناك . رفعت رأسي عاليا ومشيت في شارع الجنس والكحول ، لم أصدق عيني !
شغلت نفسي بالأمل ! بدأت أنظر إلى المراهقين ذوي العيون الواسعة . أي طفل واسعة عينيه أظنه أخي ، أتهيأ لحضنه ! فتتشبث بي فاطم الزهور، وتذكرني بالتزام الصمت والهدوء .
يا فاطم الزهور، لماذا تفرضين علي كل هذه الممنوعات ، وأنت هشة كالقشة ؟
وقليل من الحب يكفي .