فاطمة الزهراء صلاح: كاتبة مغربية
كشف الحياة عن مخالبها ، تعصرني بين يديها. تتفرج علي كقطة، تتلذذ بالإمساك بفأر.
تلعبين بي يا دنيا ولا تستحيين! ترمينني ثم تمسكين بي. تداوينني وتجرحينني من جديد. أهرب منك فتنقضين علي. أسبح وتغرقينني بمجرد أن أخرج رأسي لأتنفس. ولا تتوبي أبدا! أكبر أنا في ظلك، يغلفني الصمت والهذيان!
تقف يا شرف الحدود، تأمرني بأن أتحمل مسؤولية الاختيار؟
حل واحد أم حلول؟ أفكر في محامي العائلة ، الذي كان صديق زوجي والمتابع لأعماله.
زارنا في “طرابلس” باستمرار من أجل عقود العمال المغاربة، الذين تجاوز عددهم أربع مائة عامل. يعيلون عدة عائلات مغربية، خصوصا في الجنوب. اقتسم ماءنا وملحنا. سكن في بيتنا، ودفع له زوجي أتعابا مهمة بالعملة الصعبة. يثق زوجي في كل معاملاته.
كنت قد سافرت، من قبل، مع زوجي إلى كل من باريس، وجنيف، و بيروت ليفتح حسابات بنكية ، يودع فيها أرباحه من مشاريعه الضخمة في ليبيا. سألته يوما لم لا يحتفظ بأمواله ويرسلها إلى الوطن؟ قهقه بصوت عال، و تجشأ بقوة حتى كدت أتقيأ من الصوت ومن الرائحة! كنا حينها نتغذى في مطعم “الطيور”، على “الروشة”، بالعاصمة اللبنانية، “بيروت”، أمام صخرة الانتحار المعروفة!
كنت أعشق هذه المدينة الجميلة. يمكن للبنانيين ألا يقتاتوا، ولكن مظهرهم الخارجي هو دينهم! عشقت أناقتهم وثقافتهم وشعرت بالضيق أمامهم حين لا أستطيع متابعة مناقشاتهم.
كنت شبه أمية!
في إحدى الجلسات، نطقت حائط ” برلين ” عوض ” بارليف ” ، و صححتني “حليمة“، كان أصلها من “حيفا”. قالت : “خط بارليف”، بني من قبل إسرائيل بعد استيلائها على “سيناء” . كان الهدف الأساسي من بناء خط “حاييم بارليف” هو تأمين الضفة الشرقية لقناة السويس، و منع عبور أي قوات مصرية من خلاله، بعد حرب1967.
من يومها شعرت بأميتي أكثر. احتقرت ملابسي الغالية ومحفظة ” هرمس ” وماكياج ” شانيل “. كان رأسي فارغا داخل و خارج جسدي اليانع المزخرف. و”يا المزوق من برا، آش حالك من الداخل”. بدأت أحلم كل ليلة بالدراسة و” نكمل قرايتي، هادش ما خدامش! “
زرت عدة مدن لبنانية و كنت أفضل ” زحلة ” ، و أطباق ” مزتها ” الخمسين. زرت نهر ” بردى ” و ” عليي” حيث كتب الشاعر ” ألفونس دو لا مارتين ” رحلته إلى الشرق .
ورأيت، عن قرب، المرحوم “محمد عبد الوهاب” و زوجته “نهلة القدسي”. سهرت و رقصت في أكبر ملاهي “بيروت” ، و أنا في أبهى الحلل .
كنت أحب المشي في شارع الحمراء والتهام حلويات ” الصمدي ” المشهورة.
كانت أياما تعلمت فيها التمتع بالحياة! لا أنام إلا قليلا وكأنها ستهرب مني، كنت أعرف “بيروت” مثل جيبي أو أكثر ، و أتيه فيها تيه المتسكعة المتطفلة على البورجوازية!
فكرت في حسابات زوجي البنكية خارج الوطن ، التي يستمتع بها لوحده ، وخوفا من عدم الاستقرار داخل الأوطان العربية وتساءلت، ولم أفهم! كان نومه ثقيلا مثل سعاله وظرطه المبرح. استغفلته حتى غط في نومه، فتحت محفظته ونقلت، في ورقة، كل المعلومات وعناوين المؤسسات البنكية ، واحتفظت بها لأيام الدرهم الأسود، بعد أن نسيت أمي أن تسطر عليها في دروس الحياة. اكتفت بالدرهم الأبيض الفتاك.
وها أنا أدق باب مكتب المحامي المشهور ، أحمل كل المعلومات عن حسابات زوجي المختطف! آمل أن يكون زوجي قد حول كل المبالغ إليها قبل اختطافه في “طرابلس“.
أطمئن نفسي بكل العمليات القانونية التي يحسنها بعض المحامين الباذخين، وكيف سيساعدني هذا المحامي ” المفرنس ” على ” عتق الروح ” من الضياع! و يا شرف الحدود! ها هو زمان المعجزة قد أتى مرة أخرى! سيبقى زوجي مختطفا وسأصبح غنية ، يا أيتها النفس الأمارة بالسوء قد أصبحت حرة! أفكر ثم أمني النفس بتأمين مستقبل طفليّ،
يستقبلني المحامي ببشاشة. كان طويلا تشمئز منه النفوس، لونه أسمر يميل إلى الباذنجان الأزرق. يتكلم بالفرنسية ويتقزز من العربية. يفرح أكثر ، وتنطلق أساريره حين يرى بطاقة المعلومات البنكية حول أموال زوجي في الخارج. ينظر إلى ويوشوش ، أنت جميلة جدا ” كتفتني بالزين “. أخاف! هل الجمال هبة السماء أم لعنتها؟
” موعدنا غدا عشية، نفس الساعة، نفس المكان! اتركيني أفكر كيف سأربح هذه الصفقة! ” قال الجملة وهو يبتسم مكشرا عن ابتسامة الثعلب، المحنك المتمرن! أعود الى لبيت بين الخوف والطمأنينة.
هل تتذكرين يا فاطم الزهور، كيف صاحبت زوجك إلى “باريس” ليفتح حسابا ثانيا ، ثم عرجت على مسرح الأوبرا؟ وتسلطنت ووقفت ورقصت وزغردت على أغنية وردة الجزائرية ” خليك هنا خليك وبلاش تسافر “، كانت “بدر الجزائر” المغنية “وردة“، أمامك ، جميلة بحضورها، بصوتها و بأناقتها. أحيت في قلبك الحب جنوني الحدود!
اشتريت كل ما اشتهيت من ملابس من شارع ” فوبور سانت هونوري ” جلست في مقهى ” الفوكيتس ” “لأوبرا“. أكلت أحسن وأغلى المأكولات الفرنسية، تعلمت كل أسماء السمك والمحار، أطلب ” الكافيار” الإيراني و” البلوكا والسفروغا ” باهضي الثمن ، وكبد البطة المشهور والشكلاطة من ” فوشون “.
كانت بعض المأكولات لا تعجبني، أطلبها فقط ، لأن الأغنياء يلتهمونها بشراهة.
أصبحت وصولية ،ومثقفة في كل الميادين. نفعني هذا تأقلمي مع كل الطبقات الاجتماعية
وألتزم الصمت ولا أحد يفطن لموسوعتي في الحياة.
أبتسم بمكر أمام الوصوليين البلداء.
أصبح قاموس الأكل عندي ، يضاهي “ماركات” ألبسة دور الأزياء العالمية. أما العطور فقد كنت تقريبا أغتسل بها وأعطر بها مؤخرتي قبل أن أنام.
الأحذية والحقائب الإيطالية متوفرة بالعشرات في الدولاب، ولا يهمني إن كان سيفوتها قطار الموضة أم لا..
ثمن الشباب والجمال غال جدا، والجائع لا يشبع! أمطرت السماء دنانير من ذهب ، وتلك هي المعجزة القنبلة الموقوتة!
ها أنا، يا أمي، في اليوم الثاني لاستشارة المحامي المشهور، لعله ينقذني من ورطة اختطاف زوجي!
دخلت ووجدت ملفا ينتظرني!
قال المحامي لقد وجدتها .. وجدتها! و بانت أسنانه المعوجة الصفراء ، التي أخبرتني أننا ننتمي إلى نفس الطبقة الاجتماعية! تسلق هو قبلي، و قضى مصالحه واغتنى بدماء الإنسان أيام التأميم ، واشترى مكتبه من محام فرنسي، غادر البلاد و” بجوج فرنك ” .
ألتحق به ليساعدني في الحصول على أموال زوجي، لأتكلف بعائلتي إلى حين رجوع الزوج المختطف.
سيأخذ ما يريد فيما يخص أتعابه. أنا أمامه وتحت ضغط المناسبة. لا أستطيع المساومة ولا المناقشة!
وقليل من الحب يكفي