بقلم :هادي المياح : كاتب عراقي
لملم ذكرياته وضعها في حقيبةٍ، وسحبها خلفه، ثقيلة منفوخه تحمل كل آلامه.. تزحلق مرة والتوى قدمه في الطريق الزلقة المؤدية الى المدرسة، ضربه المعلم عشر ضربات على باطن كفيه .. شعر بألم وحرارة تتصاعد من تحت إبطيه.. عشر علاقات حب فاشلة سببت رسوبه المتكرر في الدراسة.. انحراف عربة النفط المتجولة عن مسارها وداست على قدميه .. صادفه رجل قروي لأول مرة يدخل المدينة وبصق عليه دون قصد .. هانته بائعة اللبن في رأس الشارع لان ملابسه انيقه ولونه أكثر بياضاً من لبنها .. شتمه بائع الخضار المتجول وكان طفلا لم يلتحق بالدراسة كأقرانه .. ضربه أبوه أكثر من مرة على خده الأيمن عندما كان يراه باكياً وهو يدخل البيت..! أخوه ركله عدة مرات من دون سبب .. ترك حقيبته في الممر وجلس يستريح في الحديقة.. قابلته فتاة تشع من عينيها نظرات ممتلئة بالاشتهاء.. ظل منشغلا بها معظم وقته.. حط عصفوران على فرعين متجاورين فوق رأسه على الشجرة.. بدأ يسمع لهما زقزقات موحية .. ثم راح أحدهما يدور حول نفسه ، يدور ويزقزق ، يزقزق ويدور ..وشريكته تحك بمنقارها الغصن ثم ترفع رأسها قليلا نحوه ، ترفع رأسها قليلا ثم تعاود حك الغصن بمنقارها .. وهو سارح يتأمل ذكرى جميلة، مختلفة ..لا تشبه واحدة من ذكريات قصصه العشر الفاشلة..ذكرى يعيشها الآن دقيقة بدقيقة وثانية بثانية.. قصة عصفورين كانا متحابين متجاورين ..كان منتشياً بوجود الفتاة على مسافة قريبة منه ، كأنها جالسة الى جانبه .. وبدا له كل شيء طيب ، صارت اوراق الاشجار اكثر خضرة في الحديقة وزهت ألوان الورود .. وتصاعد الماء من رشاش الماء في منتصف الحوض الى مسافة اعلى من السابق، فارتفع نشيد العصافير لرؤيتها ذلك.. اعتدل بجلسته على الأريكة عندما رأى بتلات الورد تتساقط من حوله، فكر انه يعيش هذه اللحظات المتحررة من كل قيد ، لا ضرب لا ركل لا توبيخ.. توقع القادم سيكون أفضل بكثير .. عليه إن يقذف بالحقيبة في النهر المجاور.. ها قد ارتفعت الزقزقة.. وهي تداعب مسمعيه ..كم كان سعيدا عندما شعر بحماس العصفورين يشتد فوقه.. كان يتوقع ذلك جيداً ، لكنه لم يتوقع اياً منهم بعد لحظات سيذرق عليه