أنا وشريكتي

 

بقلم الأديبة المغربية ليلى مهيدرة

مهما حفنا الأصدقاء بنصائحهم وحبهم وتقديرهم إلا ونحتاج صديقا أقرب إلينا من دواتنا، صديق نقتسم معه الفكرة وهي نطفة في مخيلتنا، يلطف الجو المحيط بنا ويحررنا من غربتنا مع أنفسنا، فيكون السند والعون لنا على ما قد لا يحتمله صدرنا.

وأنا اخترت أن يكون لي صديق، رفيق أناجيه ويناجيني، يكون أقرب إلي من ذاتي يشاركني بسماتي ويمسح الدمع قبل أن يصل خدي، أحسه العين التي تحرسني وتحميني من صغائري، صديقا يكون بيننا جمل معينة لا تقال لغيرنا، وسيلة لا يفهمها سوانا، حوار ولغة خاصة بنا نحن، ..

صديقي سيكون فكرة في داخلي، أمنحه صفة الاستقلالية عني وأهبه كل الصلاحيات ليكون الرفيق المطلع الوحيد على أسراري ولأني ديمقراطية بطبعي طلبت منه أن يختار لنفسه ركنا من فكري ويستوطنه ويتكلم من خلاله، منحته فرصة للتفكير وأكملت قراءة كتاب في يدي فإذا بضجة تملأ فكري:

– ماذا تفعل

– أزعجتك ربما

– لا عليك ما هذه الضجة

– بصراحة وبما أنك منحتني فرصة اختيار أي ركن فأنا اخترت هذا الذي لم يفتح من مدة

– كيف يعني، قلتها وبداخلي شيطاني يهدد بأن يتخلص من الفكرة كلها لكنه فاجأني وأجاب

– سأكون الشخصية الساخرة منك،

جحظت عيني ربما لأنني اكتشفت هذه الشخصية التي لم أكن أعرفها من قبل

لكنني وبين القبول والرفض أجد قوة الفضول بداخلي تدعوني للاستمرار خاصة وأن الفكرة في بدايتها ويوم أمل منها ما على سوى التخلص منها وقتل فكرة حسب علمي لا يحاسب عليها القانون.

لم يكن هو ليهتم بما يدور بخلدي، فهو كان منشغلا بنفض الغبار عن هذا الركن المنزوي دون حتى أن يعيرني أدنى اهتمام، أعجبني نشاطه وهو يشتغل بهمة ونشاط ويضحك من كل هذا الحطام وهو يغني محاولا تقليد الأصوات باستخفاف شديد، ابتسمت لهذا الدخيل الذي لم يكن دخيلا واستسلمت لإكمال قراءة كتابي وكلما تعالى صوته أشار إلى معتذرا وأكمل عمله متجاهلا لكل ما حوله،

لا أدري كيف غفوت على كتابي لأصحو وملامح صديقي يحاول تقمص وجهي وأنا نائمة، ابتسمت نصف ابتسامة تحية له لكنه عاد لركنه وارتمى فيه وبدا يدندن بصوت يحاول تضخيمه، ثم أردف قائلا:

– ألا يمكنني أن أمتلك جسدا

– ماذا ؟؟

– لا أدري كيف أحسست أن الأمور بدأت تنفلت من بين أصابعي كرمل حار

– جسدا، أي جسد حتى وإن كان من ورق أو من هواء أو من حديد وبدأ يقلد مشيته وهو بتثاقل ويقهقه، لم يمنحني فرصة للرد وجلس يرسم شكله الجديد ويتكلم عن ميزة الجسد بالنسبة له ولي أيضا

– لو كنت من هواء فسأرافقك في كل مكان ولن يراني غيرك أكلمك وأنت لا تستطيعين أن تجيبي وإلا لا تهموك بالجنون وبدأ يقهقه عاليا أجبت غاضبة

– لا لن ترافقني إلى أي مكان ستكون حدودك داخل حيطان هذا البيت.

أجاب بثقة من أحرز فوزا

– المهم أخدنا الموافقة المبدئية من إنني أستطيع أن يكون لي جسدا ولو من هواء

– لا عليك عزيزتي – قالها بصوت منخفض في إذني – سأكون معك وحدك هنا، أنا هواء والهواء يستطيع أن يحضنك. ثم قهقه عاليا..

– أخجلتني الفكرة وما يلمح له فقررت أن تكون خسارتي اقل:

– لن تكون صديقي

– ماذا ؟

– ستكون صديقتي وستكون من ورق

–  واو. بدا يقلد مشية الفتيات بغنج زائد ويتظاهر بالخجل ثم أردف سأبدأ بتجهيز فساتيني فلا يمكن أكون أقل أناقة حتى لا يعتبرونني خادمتك وابتسم وراح يرسم تصاميم فستانه الجديد وقصة شعره فلم أجد نفسي إلا وانأ أخد مقصي وارسم له جسدا ورقيا على مقاسه وملابس من ورق وما هي إلا ثوان حتى كانت صديقتي تجوب الغرفة جيئة وذهابا وتعبث في كل ملفاتي ولأول مرة لم يزعجني الأمر فهي ليست غريبة إنها شريكتي..

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد