اليوسفية: جيلالي وساط
حين ألج مقهى المحطة، يكون الوقت في غالب الأحيان آخر الليل، أشعر كأني إنسان ضال عاد أخيرا إلى حضنه المشتهى، وأقول مع نفسي إني غير وفي، وإلا كيف أترك هذا المكان الساحر كل هذه المدة وأموت من الملل في أماكن تفتقر إلى سحر وفتنة مقهاي !
نور مقهى المحطة خافت، الزبناء معدودون، كورتيه؛ سائق شاحنة أو سائقان ينتظران أن يحين دورهما، مسافر يغط في النوم وبجانبه حقيبته، بنت هوى تبدو متعبة وهي تدخن سيجارتها، وقطة حبلى مسترخية على أحد الكراسي .
النادلة تضع أحمز الشفاه بطريفة مفرطة، ورغم أنها نحيفة فهي تمشي كما قال الشاعر القديم ـ مشي السحابة لا ريث ولا عجل ـ وتبتسم كالموناليزا بطريقة غامضة .
وبين الفينة والأخرى يدخل شخص سكران، يطلب فنجان قهوة سوداء وينتحي جانبا، ثم يعلو صوته وهو يحكي عن أمور غريبة، على صوت التلفزيون الخافت، الذي يبث دائما أفلام حب رومانسية.
ومن الزجاج، يمكن للمرء أن يرى نور بعض محلات السندويشات، وكلاب ضالة تذرع الشارع. ثم يرتفع هدير شاحنة