صدور الترجمة العربية لكتاب: الذهاب بعيدا للتفكير الارتباط، و التراجع، و المسؤولية الإيكولوجية

ريتاج بريس : بديعة خداد
عن منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بوجدة، صدرت الترجمة العربية لكتاب “Going Away to Think” للناقد الإيكولوجي الأمريكي سكوت سلوفيك الذي يعتبر أحد أبرز الباحثين الرواد في مجال النقد الإيكولوجي. قام بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية د. سعيد منتاق و دة. هاجر بوكنانة تحت عنوان “الذهاب بعيدا للتفكير: الارتباط، و التراجع، و المسؤولية الإيكولوجية”. و بالموازاة مع الترجمة العربية، صدرت الترجمة الفرنسية لنفس الكتاب الذي قامت بترجمته إلى اللغة الفرنسية فرانسوا بيسون تحت عنوان “Voyager pour penser”.

الجميل و المفيد أيضا في الترجمة العربية للكتاب؛ إرفاقها بحوار أجراه مترجما الكتاب مع المؤلف حول الكتاب و النقد الإيكولوجي. حوار يمكن اعتباره ملخصا لما ورد في هذا الكتاب، الذي هو عبارة عن مجموعة من المقالات، يتمحور مفهومه الجوهري، كما يوضح الكاتب، حول استكشاف كل من الأسئلة العميقة عن معنى الحياة البشرية فوق الأرض و القضايا المعاصرة العملية للعلم و السياسة العمومية. بحيث “يمكن قراءة الأدب و الفن و تأويلهما كطريقة للحصول على تبصر أعمق في معنى حياتنا، و لكن يمكننا أيضا أن نساعد على حل المشاكل اليومية الفورية بتضخيم وتفسير الأفكار القوية للكتاب و الفنانين من خلال عملنا كباحثين.” (ص: 217).

يهدف الكتاب، كما ورد في حوار سلوفيك مع مترجميه، إلى تمكين كل من الخبراء في النقد الإيكولوجي و الوافدين الجدد على هذا الحقل المعرفي من الاستفادة منه و مما ورد في مختلف فصوله، خاصة في بعض الفصول الأولى التي يناقش فيها الكاتب بشكل أساسي مفاهيم النقد الإيكولوجي. و في الفصول الأخيرة التي يبين فيها جهوده الخاصة، كناقد إيكولوجي، في إيجاد توازن في حياته الخاصة بين الانسحاب و الارتباط، بين التذوق و الاستمتاع بحياته.

كتب سلوفيك مجموعته بصيغة المتكلم معتمدا على أسلوب طوره أسماه “البحث السردي”. و عن ذلك يقول: ” المفهوم الأساسي للبحث السردي هو أننا نستطيع أن نبرز و نعمق معنى أي موضوع تقريبا ندرسه بالتفكير فيه ارتباطا بحياتنا الخاصة في العالم. و بما أن النقد الإيكولوجي هو حقا حقل معرفي يحاول أن يساعدنا على فهم ما معنى أن نكون أحياء ككائنات بشرية و على حل قضايا العدالة العالمية المهمة إيكولوجيا و اجتماعيا، يبدو الأمر معقولا أننا لا يجب أن نناقش فقط الحياة البشرية و المشاكل الكوكبية بشكل غامض و و مجرد، و لكن يجب أن نحاول طرح هذه المشاكل على الأرض ـ أن نعيدها إلى ما نعرفه عن أوضاعنا الخاصة في لحظة تفكيرنا في المشاكل”.

يحيلنا عنوان الترجمة العربية للكتاب على ثلاثة مفاهيم أساسية ارتكز عليها الناقد البيئي سلوفيك في كتابه و هي: المسؤولية النقدية الإيكولوجية، الارتباط، و الانسحاب أو التراجع. بالنسبة لمفهوم “المسؤولية النقدية الإيكولوجية” كما يوضح الكاتب، فهي تعني أن يحاول الباحثون في هذا الحقل إيجاد توازن بين تأملاتهم الخالدة و جهودهم في الإجابة على قضايا اليوم. قد تعني المسؤولية أشياء مختلفة. و كما جاء في أجوبة الكاتب في حواره مع مترجمي الكتاب، فهذه المسؤولية لا تنطبق فقط على النقاد الإيكولوجيين الذين يدرسون الثقافة البيئية، و لكن تنطبق أيضا على المثقفين و الفنانين بالمعنى الواسع بما في ذلك العلماء و الفنانين الذين يشتغلون بوسائط في الإعلام عوضا عن الأدب كالرسم و الموسيقى و غيرهما، و المواطنين الملتزمين سياسيا الذين قد لا يعتبرون أكاديميين أو حتى بيئيين.

و المقاربة الأكثر تأملا في الأدب هي ما يسميه “التراجع”. هذا يعني العودة إلى الوراء بعيدا عن مشاكل اليوم الفورية و منح أنفسنا حرية نفس عميق و التفكير و التأمل ما أمكن في أسئلة جوهرية حول علاقتنا ككائنات بشرية مع ما يبدو ظاهريا مختلفا عنا. و كما أوضح في جوابه عن سؤال معنى التراجع، فإن الجزء الكبير من هدف الكتاب هو الإشارة إلى أننا نحاول جميعا أن نأخذ وقتا في حياتنا للتريث، ملاحظة العالم، و ملاحظة أنفسنا نعيش في العالم و نتأمل فيما نستطيع تعلمه من هذا النوع من التجربة.

أما المقاربة الأكثر إلحاحا و عملية في حل المشاكل هي ما يطلق عليها الكاتب مصطلح “الارتباط”، بمعنى عدم الهروب من مشكل و لكن بالأحرى الانخراط مباشرة فيه و محاولة حله أو على الأقل الإشارة إلى طريق نحو حل ممكن. هناك عدد من الأمثلة حول المشاكل الاجتماعية و الإيكولوجية يجب أن نفكر فيها عبر العالم بأسره اليوم، من القضايا المحلية بشأن الاستعمال المناسب للموارد الطبيعية و تطوير الأرض إلى القضايا العالمية مثل تغير المناخ و انقراض الأنواع و التسمم الصناعي و التلوث البلاستيكي و التعرض غير العادل لجماعات معينة من الناس للأخطار البيئية، و كذلك التوافر غير الكافي للموارد للجماعات المهمشة من الناس.

في نفس السياق، يتحدث الكاتب عن مفهوم “التخدير النفسي” كواحد من المفاهيم السيكولوجية المركزية التي تضمنها كتاب “الأرقام و الأعصاب المعلومات و العاطفة و المعنى في عالم المعطيات” الذي صدر في العام 2015، و قد تطرق إليه في الفصل الرابع من كتابه. و هو اكتشاف يتعلق بالدماغ البشري الذي يصبح غير حساس بالظواهر عندما تصبح أوسع منه كالأزمات البيئية مثل الاحتباس الحراري و الانقراض الجماعي السادس و غيرهما. هذا القصور في الإحساس و الصعوبة في إدراك ظواهر اجتماعية وبيئية مهمة سبق للناقد الإيكولوجي روب نيكسون، كما يوضح مؤلف الكتاب، أن اعتبرها “عنفا بطيئا” في كتابه “العنف البطيء و بيئوية الفقراء”، معتبرا أن المشاكل الخطيرة-أشكال من “العنف”-هي أحيانا كثيرة بنيوية و غير مذهلة، تحدث بطرق تدريجية غير مرئية. هنا يبرز دور النقد الإيكولوجي ،كما يوضح سلوفيك، و هو يتحدث عن إثارة نيكسون لمشكل “فهم” (أو إدراك) هذه الظواهر التي تقع مهمة مساعدة القراء على الإحساس بها على عاتق “الكاتب الناشط” أو الناقد الإيكولوجي. و هذا ما اعتبره سلوفيك أحد أهداف الارتباط النقدي الإيكولوجي.

و بمناسبة صدور الترجمتين العربية و الفرنسية للكتاب، نظم مختبر البحث في الفضاء و الثقافة (CEDUC Research Lab) بجامعة محمد الأول بوجدة، ندوة فكرية يوم الثلاثاء 30 شتنبر 2025 بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بوجدة بحضور مؤلف الكتاب و المترجمين، نوقشت خلالها كيفية تفاعل الأدب المهتم بالطبيعة و البيئة مع القراء في سياقات ثقافية و لغوية مختلفة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على أبعاد الترجمة في نقل الوعي الإيكولوجي عبر الثقافات. و قد تميز هذا اللقاء الأكاديمي، الذي قام بتسييره د. نصر الدين الكزار، بحضور باحثين و باحثات في هذا المجال. كما احتضنت كلية الآداب و العلوم الإنسانية بجامعة محمد بن عبد الله بفاس ندوة مماثلة. و قد كانت فعلا فرصة ثمينة للباحثين و الباحثات في مجال النقد البيئي للتعرف عن قرب على أحد أبرز رواد النقد الإيكولوجي، و إثارة و مناقشة قضايا البيئة على المستوى الكوني التي ما تنفك تزداد سوءا و تدهورا

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد