ثلاث بطانيات

اليوسفية جيلالي وساط

هكذا وبدون مقدمات أتى وجلس على الكرسي بجانبي، رفعت عيني عن الجريدة ونظرت إليه، رأيت كهلا ينظر إلي ويبتسم كأنه يعرفني من قديم، لم يكن في الحقيقة يبتسم، كان يفتح فمه الخالي من الأسنان بطريقة بلهاء، كان أسمر اللون، تلك السمرة التي ليست سمرة بل أثر للفح الشمس، نظرة عينيه الضيقتين العسليتين مزيج من البراءة والعذاب والاستسلام، يرتدي قميصا ضيقا حال لونه ويضع ربطة عنق غريبة.

حوَّل عينيه عنِّي ونظر نظرة جوعى إلى علبة السّجائر، وقال لي بصوت أجش جميل:
ـ هل أدخن سيجارة ؟

بقي صامتا لفترة وهو يشرب السيجارة بنهم وينظر أمامه، ثم التفت نحوي وقال :
ـ اسمي مصطفى، كنت معلما لكن بعد سنتين من العمل جُنِنت، وتهت لسنوات في الطرقات وأنا غير عاقل.

ثم قطع حديثه وطلب مني فنجان قهوة، ولما أحضره له النادل شربه بلهف دفعة واحدة وسألني:
ـ هل يعطون الدواء في المستوصف البلدي ؟

أجبته:
ـ لا أدري، ربما.

سكت لحظة ثم قال لي:
ـ البرد شديد هذه الأيام، والغرفة التي أسكن فيها في سطح منزل أخي بدون باب، لكن لدي ثلاث بطانيات.

ثم بدا أنه تذكر شيئا فهب واقفا، وخاطبني كالمعتذر:
ـ يجب أن أذهب، زوجة أخي لا تفتح لي بعد المغرب.

وأسرع خارجا وهو يعرج برجله اليسرى.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد