بقلم الأستاذة مجيدة السباعي
أنياب الرهبة هو عنوان النص، حاكه المبدع بذكاء ثاقب، حيث جعل للرغبة أنيابا وهو انزياح جميل، وإن كان المعنى مخيفا ومفزعا. وأنياب مضاف والرهبة مضاف إليه، فكلاهما مرتبط بالأخر يكمله، وهذا قصد مقصود.
والناب حاد، يبعث على الهلع لقدرته على الفتك والافتراس دون رحمة او شفقة، ويرمز بالناب كسلاح للوحش المتأهب للانقضاض بشراسة كبيرة، تمزق اللحم وتجرحه، وتنزف وتسيل دماءه، وتحدث خدوشا لا تنمحي رغم مرور الزمن.
حقا جاء العنوان عتبة مناسبة جدا لولوج النص، وإثارة الرغبة في قراءته دون ملل أو ضجر. ومنذ البداية يتمنى الراوي ووراءه الكاتب يستتر لولم يشاهد كلبا واحدا يلهث بقريته، والكلب حيوان يبدي وفاءه وإخلاصه عادة، هذا المعنى هنا غائب بالمرة، فيرمز هنا فقط لوحشيته وأنيابه، وعضاته وغدره وفتكه وبعثه على الخوف والغضب المتطاير سواء بجريه لإلحاق الاذى او بلسانه المتراقص الاحمر، وكانه رصاص حي فتاك قاتل، لا مبال بأشلاء الضحايا الذين يتصيدهم من الابرياء العزل وما ذلك إلا للنذالة والدناءة وموت الضمير، أي كلب يقصد المبدع ولا يعرف للوفاء والاخلاص سبيلا ؟. هذا الكلب مختلف تماما عن كلاب القرية فهي آمنة لا تؤدي، لا تنبح الا على الغريب، لكيلا يكون بين الاهالي خاصة إذا كان يفتقد للمزايا كالوفاء. فمجرد رؤية هذا الغريب المتهور يثير الحنق والغضب والخوف الذي يكبر مع الايام والسنين، ويكره رؤية الاهل لشدة الخوف من العضات. بل ينسي حتى ترتيب الايام قال السبت والجمعة.
كيف للذكرى أن تنمحي والانياب تنهش في الذراع لتضعفه وتكسره ؟، بل تبحث عن عضو هش لتأكله بنهم، هو القلب لتوقفه عن الحياة، وتستحود على أغلى ما لدى صاحبه أرضه لا محالة.
لم تأت تلهث ؟…. قال. الاب ينصح ابنه.. لا تخف لن يخرجك أحد من أرضك، لأنها ارض الاجداد ومشروعيتها قائمة على مدى الازمان.
تنعكس بها شمس الظهيرة.. ستتوسط شمس الحرية السماء وتسدل اشعتها بكل الارجاء.
أنا أعرفك من زمان……. أعرفك لأنك ابن فلان وحفيد فلان ولدت هنا ابن هذا الوطن انت الاحق بهذه الارض السليبة.
لا أدري لماذا تهاجمني أنا بالذات…… لأنك الشاب المثقف الذي بإمكانه الدفاع والمطالبة بالحق.
فلذكاء الكلب يرمي بك إلى الجرح والعاهة والخوف والشلل والمعتقل.
أهرب منه ويهرب مني….. كل منهما كالخطين المتوازيين لا يلتقيان ابدا ولا تجمعهما مودة ولا يمكن.
قضيتك معروفة في الصحافة…… القضية قديمة وموشكة، وكل الصحف تكلمت عنها وعن عذابات اهالي قرية البطل الشاب المثقف.
النهر جميل لا كلاب به يقطع القرية لنصفين…. وضح المعنى وانكشف المستور توزعت البلاد الواحدة الشرقية والغربية بالسور الفارق للجسم الواحد. نهج يسلكه المستعمر الظالم… فرق تسد…..
القضية أخدت زمنا لا يستهان به لكن لا ليل استمر لا بد للفجر ان يبزغ ،ولن يتأت ذلك الا بالحكمة لا العنف والتطاحن، سيعصف الصدر بالفرح يوما ويعود النهر ليغمر كل الارجاء، لا يحده بناء ولا قرار ظالم، آنذاك سيشعر الشاب المثقف انه ينتمي لقريته لا ان يظل غريبا بالمخيمات. أبدع المبدع بالرمز والدلالة والاسلوب السهل الممتنع المتدفق انسيابية وسلاسة واجمل ما بهذا المنتوج الفني التعلق بالأمل العريض.
—
أنياب الرهـبة/عادل المعموري
قصة قصيرة
كم كنتُ أتمنى ألا أشاهد كلباً في قريتي، رؤيتي له تثير في نفسي الحنق والغضب ممزوجين بخوف داخلي، خوف ينمو في صدري كل يوم، وكل عام، حتى كبر معي، كل الناس تتأقلم مع الكلاب وتألفها إلاّ انا، حتى قررتُ ان لا أعود إلى قريتي ورؤية عائلتي لشدة خوفي من أن أتعرّض لعضة كلب متهور، لا يمكن أن أنسى ذلك الكلب الذي جاءني مهرولا، دالقاً لسانه الأحمر وهو يتراقص بين أسنانه، وناباه يلمعان كنصلي سيف بتار.
لم أستطع الجري مع الأولاد، فقد تعثرت بحجر، اعترضَ قدمي الصغيرة، سقوطي على وجهي كان كافيا لتقريب المسافة بيني وبينه، وقفَ فوق رأسي وهو يلهث ثم استجمع قوته وشرعَ يغرز أنيابه في ذراعي وجانب خاصرتي ،كان يدور حولي يبحث عن مكان رخو في أعضائي لينهشه ،وأنا أجاهد كالغريق للتخلص من براثنه وأصرخ ،فيما كان الأولاد يلوذون وراء بناية مسجد القرية يتضاحكون، الآن أنا في ريعان شبابي وفي كامل قوتي ورجولتي ولكني لا أقوى على الوقوف بوجه كلب حتى لوكان بعيدا عني، محاولاتي ذهبت عبثا وأنا أطمئن نفسي أن لا خوف من كلاب القرية، أحيانا عندما أمر بجانب البيوت لأعرّج على بيتي، أرى كلبا قريبا مني، يهرب مني قبل ان اهرب منه، كلانا يهرب من صاحبه في الاتجاه المعاكس ،تلك حالة نفسية لم أستطع تجاوزها رغم دراستي في الكلية وقراءتي لمناهج علم النفس، أقضي خمسة أيام عند خالتي في المدينة أدرس صباحا وأبيتُ عندها مساء، السبت والجمعة أعود فيها لبيتنا أقضيهما بين أبوي واخواني الصغار. ذات صباح أمسكني أبي من ياقة دشداشتي وهو ينهرني غاضبا :
– من يطاردك حتى جئتني تلهث… قل لي من يطاردك ؟
– لا أحد يا أبي ..
– إذاً.. جئتَ مفزوعاً من رؤية كلب.. أليس كذلك ؟… اطرقت برأسي خجلا، حدجني بنظرة يشوبها الأسى وتمتم :
– كلاب القرية تعرفك فلا داعي للخوف منها، إنها تنبح على الغريب فقط.. هل تعي ذلك ؟
– أنت رجل، بإمكانك أن تنحني لتلتقط حجارة من الأرض، فيهرب الكلب من مواجهتك. أو تحمل عصا أفضل .
– يا أبي.. لقد جرّبتُ كل هذه الأشياء.. الكلاب لا تهرب مني، لا أدري لماذا تهاجمني أنا بالذات ؟!
ربّت على كتفي، دفع الباب ليدخل وهو يتمتم :
– يخيّل إليك ذلك.. وهم في وهم.. قالها واغلق الباب بشدة.. لم أشأ أن أدخل خشية أن تؤنبني أمي.. تركت المكان واتجهت نحو النهر، جاست عيناي المكان، جميل.. لا كلاب في هذا المكان، جلستُ على الكتف الترابي أنظر إلى الماء وهو يجري، قاطعا قريتنا لنصفين، ليغيب في نهاية التل الكبير في جانبها الشرقي، فجأة شعرتُ بظل لكائن ضخم يغمرني من الخلف ـالتفتُ وجدته أمامي تعكزت على مرفقي كي أنهض، أمسكني من كتفي بتؤدة وجلس قريبا مني، قال لي وهو ينظر إلى صفحة الماء التي ينعكس فيها شعاع شمس الظهيرة:
– كيف حال المدينة يا ولد ؟ كان صوته خشنا كخوار الثور، تخرجُ الكلمات من بين أسنانه السوداء كدوّي المدفع، استرسل قائلا :
– أنا أعرفك منذ زمان بعيد، أنت ابن الحاج كَطوف أليس كذلك ؟
_………….!
– أنا لستُ مجنونا كما يشاع عني، ولكني أحب حياة البساطة، ليس لي أحد، لم أتزوج رغم كبر سني، لا.. لا.. أنا لستُ كبيرا كما تتصور، تلك اللحية والشعر الكث وملامحي القاسية وأنفي الكبير ليس دليلا على كبر سني، ولكني لم أتعدَ الأربعين، أنا لا ألتقي هنا كثيرا أسحو في أرض المعبود في كل مكان، لي مكان خلف ذلك التل أنام فيه لوحدي، أدار رأسه الضخم نحوي وصعّد من نبرة صوته :
– أنا لا أخاف الكلاب كما تخافها أنت.. لا تستغرب كل الناس تعرف أنك تخاف رؤية الكلاب، ربما حتى أهل المدينة.. ولا أستبعد ان قضيتك معروفة لدى الصحافة.. قالها وقهقه يصوت عال، حتى ظننتُ ان النخلة القريبة مني ستسقط في النهر لشدة اهتزازها من قوة صوته.. وضع عصاه على كتفه ونهض قائما، أشار الي بسبابته اليمنى قائلا :
– دواءك عندي أنا.. أنا من سيجعل الكلاب تهرب منك ولا تقرب إليك أبدا.. قالها وأنسحب وهو يرمي بثقل جسده على جهة واحدة لعطب في ساقه اليمنى، ربما عوق قديم، أو جراء حرب من حروبنا المستديمة، تلك الليلة لم أستطع النوم، أفكر بكلمات هذا المجنون الذي اسمه (مرهون) نعم مرهون ينادونه مرهون ولكن اسمه صابر، لا أدري لماذا يرفض أن يسميه أحد (صابر)، يقول: إنّ دوائي عنده، هذا المجنون أيستطيع أن يفك اسار الخوف أو الرهبة عني ؟ وخيرة الاطباء والمعالجين النفسيين وحتى شيوخ الطريقة والروحانيين عجزوا عن ابعاد تلك العلة عني.
خطفتْ أمامي عبارة (خذ الحكمة من أفواه المجانين) ربما نعم، وربما لا.. لابد من وجود حل، سأذهب إليه صباح السبت وسأبحثُ عنه حتى أجده، ولكن كيف سأبحث عنه والكلاب تحوم في أرجاء القرية ؟ هل أصطحب معي أحد افراد قريتي وأذهب ؟ لا.. لا أريد أن يطلع أحد على ما سيكون.. ربما هو سر لا يريد ان يطلع عليه غيري، أحد اخواني الصغار، نعم وجدتها.. سأصطحب معي مولود، هذا مولود أخي الصغير عمرة أحد عشرة سنة، عند الصباح ايقظته واخذته معي دون أن تعلم أسرتي بالأمر، بعد ساعتين من البحث في أرجاء القرية وزواياها، وأنا ألوذ خلف أخي مولود خوفا من بطش الكلاب الضارية.. استطعت أن أجده قادما من أحد البيوت المتاخمة لقريتنا، وقفنا ننتظره ونحن ننظر إليه قادماً يحرث الارض بقدميه فيتطاير الغبار من حوله وبغمر وجهه.. عندما اقترب منا ابتسم دالقاً لسانه من بين أسنانه المسوّسة وقال :
– ها.. أكنت تبحث عني ؟
– أي والله.
– تعال معي.. حدج اخي بنظرة تفحص وانسحب يسحل بقدميه الحافيتين، أجلسني على دكة ترابية قرب مغارته ورمق اخي مولود بنظرة مريبة وقال :
– المسألة يا ولد بسيطة.. يجب أن تؤمن بما أقوله لك.. أأتني بناب كلب ميّت
– ماذا ؟
– لا تستغرب.. علاجك الوحيد ان ترى كلبا ميتا وتنتزع نابه من فمه، ابحث عن كلب ميت وانتزع نابه باي آلة حديدية.
– وماذا أفعل بالناب ؟ نهض من جلسته ومخط ثم مسح مخاطه بردن ثوبه واردف :
– تلك معلومة مجربة ولن تخطيء أبدا.. أينما وجدت كلبا ميتّا، حتى لوكان هيكلا عظميا لكلب.. المهم في الأمر ان تنتزع نابه وتحتفظ به وأدخل بين الكلاب الضارية، ستخافك فور اقترابها منك.. قال ذلك ودخل الى مغارة التل وتمتم :
– انتهت المقابلة.. اذهبا بحفظ الله.. أردتُ أن أساله، أشار إلي بعصاه وقال :
– قُضي الأمر يا ولد.. عدت الى البيت وأنا أفكر بما دار بيني وبين ذلك المجنون، هل من المعقول أن يكون صائبا في وصفته تلك ؟ أم يضحك علي ويسخر من معرفتي وعلميتي ودراستي.. سأجرب ولن أخسر شيء، لا بد أن أتحلّى بالشجاعة ولو لمرة واحدة في حياتي، عليّ التخلص من هذا الكابوس بأي ثمن كان.. قبل مغيب الشمس جاءني المجنون ليطرق باب بيتنا.. المصادفة وحدها التي جعلتني أفتحُ الباب.. سحبني من ذراعي وقادني ممسكا بي بقبضته القوية، سرت معه منقادا له وقلبي يضطرب خوفا وهلعا، قطعنا مسافة ليست بالقصيرة، ثم توقف هنيهة وقال لي :
– وجدتُ كلبا ميتاً في هذه الحفرة.. أتراها.. تلك القريبة من الشجيرات اليابسة.. سحبني من يدي واقترب من الكلب الممدد في الحفرة، جثة كلب متيبسة، تهرّأ لحمها ولم يبق سوى الهيكل العظمي ورأسه المسلوخ وفمه المفتوح، نظر إلي متحمسا قائلا :
– اقتربْ يا ولد.. تعال إلى هنا.. لا تخف.. أنظر إليه.. إنه ميت وفمه مفتوح.. تعال وانتزع الناب من فمه.. لاحظَ انني بدأت ارتجف، أحس أني أنوي الهروب.. أمسكني بكلتا يديه وصاح بي :
– هيا انتزع الناب من فمه.. كن شجاعا ولا تخف منه ..هيا مد يدك ؟
– أرجوك.. أرجوك، أعفني من تلك المهمة ؟
هتف بي :
– انتزع نابه واقهره.. إنه مهزوم.. لا يملك قوة إزاء قوتك ورجولتك.. هيا يا ولد.. قام على الفور بمسك يدي وأدخلها في فم الكلب وأنا أكاد أفقد وعيي.. انتزعتُ الناب من فمه.. نظرَ إلي ضاحكا وأخرجَ من حببة خرقة من جلد حيوان وقال لي :
– ضع الناب في بطن الجلدة.. وضعتُه في وسط الجلدة وطويتها على الناب بقوة :
– تعال معي.. سأتركك وسط الكلاب وستعرف صدق قولي.. هيا أسرع.. لمّا تباطأتُ حد جني بنظرة غاضبة وصرف على أسنانه المنخورة، سحبني من ذراعي بقوة.. وراح يركض وهو يجذبني إليه كلما حاولت الإفلات من قبضته.. فجأة وجدتُ نفسي وسط ثلاثة كلاب.. رأيتُ المجنون ينسحب عني بعيدا ينظر الي ضاحكا.. الكلاب أخذتْ تقترب مني وتنبح بصوت عال.. أصبحتْ قريبة مني بخطوتين، أغمضتُ عيناي واستسلمت، لا سبيل الى المقاومة، ها هي تفتح أشداقها، ستمزقني إرباً.. ضغطت بقبضتي المرتجفة على الناب فجأة توقفتْ الكلاب عن النباح، أغلقت أفواهها واستكانت ملتزمة بالصمت، ونظر ت إلي بانكسار، لوت أعناقها.. ثم انسحبت وراء أعواد القصب الكثيفة، وقفتُ والدهشة تعقد لساني.. لأول مرة أشعر أني قويا وأنني أحتفظ بتوازني، سرتْ رعشة باردة في مفاصلي، أنعشت فؤادي، وسكن روعي، تبعتُ الكلاب وأنا أكاد أن أبكي، رأيتها تهرب مني لتدخل في أجمة القصب الكثيف، تراجعتُ القهقري وعيناي تبحثان عن المجنون، لم أجد له أثرا، عدتُ وحيدا والفرح يعصف بصدري، الهواء العليل المنبعث من المروج الخضراء يدغدغ مسامات جسدي المتعرّق، لم أعد أخاف من شيء، أنا سعيد، أنا حر، كم تمنيتُ أن أصرخ بأعلى صوتي .
.. طوال مسافة الطريق نحو البيت.. أسير بقامتي مزهوا، منتصبا بشموخ.. أول مرة أشعر أني أنتمي لهذه القرية الجميلة، كل شيء رأيته جميلا في قريتي التي كرهتها عند أوّل عضّة كانت في ذراعي الغض .