د. طارق دحروج
جاء الجدل الناجم عن أحداث باريس االإرهابية الأخيرة متركزاً على جزئية مكافحة الإرهاب الذى يقوم به تنظيم الدولة الاسلامية ضد فرنسا والغرب بوجه عام، ومع التسليم بأنه يمثل تقسيراً مباشراً لأسباب ما جرى، إلا أنه بعث برسالة مفادها بأننا أمام “11 سبتمبر فرنسية” بمعزل عن السياسات الفرنسية المتراكمة على مدى أكثر من خمس وعشرين عاماً، وهو ما يعد من وجهة نظرنا تبسيط مخل لقراءة المجريات الموضوعية الكامنة وراء وقوع تلك الأحداث الإرهابية وتداعياتها. وفى سبيل ذلك، نستذكر “أزمة الحجاب الاسلامى” عام 1989 باعتبارها الشرارة الأولى للصدام بين الإسلام والمجتمع الفرنسى عندما أصدر مسئولو مدرسة فرنسية فى إحدى ضواحى باريس أمراً بمنع دخول ثلاث طالبات محجبات للمدرسة فى بداية العام الدراسى 1989-1990. وجاء قرار المنع مستنداً إلى مبدأ عدم تواءم الحجاب مع مبادئ الحياد الدينى (العلمانية) للنظام التعليمى بالجمهورية الفرنسية. وقد ظلت تلك الشرارة رمزاً للصدام بين الاسلام والمجتمع الفرنسى المتمثل فى قضية التعبير عن الهوية وضرورة قبول الآخر بها، وهى الأساس الذى بنيت عليه الأزمات والصدامات اللاحقة بين الاسلام والمجتمع الفرنسى على مدى الخمس والعشرين عاماً التالية، أهمها تفجيرات مترو باريس )1996( مروراً بأزمة منع الرموز الدينية فى المؤسسات الحكومية )2004( ووصولاً إلى انتفاضة الضواحى )2007( وأحداث شارلى ابدو )يناير 2015 ( واخيراً الأحداث الدامية التى شهدتها باريس ليلة 13 نوفمبر.
يضاف إلى ذلك، الدور السلبى الذى لعبه العامل الإقليمى وبخاصة الصراع فى الشرق الأوسط، أهمها سياسات النظام الإيرانى بعد ثورة 1979 وغزو العراق للكويت عام 1990 والأزمة الجزائرية فى التسعينيات وصولاً إلى الأزمة السورية وتداعيات السياسة الفرنسية- الأوروبية تجاهها. وهو ما أسهم فى ترسيخ الصورة الذهنية السلبية حول العرب والإسلام فى المجتمع الفرنسى والتى تشكلت على مدى القرون الماضية من خلال طروحات الكنيسة فى العصور الوسطى وكذلك عبر أدبيات دانتى وفولتير ومونتسكيو في عصر التنوير والتى يتم استدعائها آلياً فى الوعى الشعبي مع اندلاع أى أزمة.
يأتى ذلك بالتوازى مع الازدواجية المؤسسية للإسلام فى فرنسا فى ظل وجود نموذجين متناقضين: الأول متمثل فى المحفل الرسمي التى أنشأته الحكومة الفرنسية عام 1990 وهو مجلس الإسلام فى فرنسا كبديل عن دور مسجد باريس الكبير الذى تديره الحكومة الجزائرية، ثم تحول إلى المجلس الفرنسى للديانة الإسلامية عام 2003 ويخضع لوزير الداخلية.
أما النموذج الآخر فيتمثل فى مؤسسات “الإسلام غير الرسمى” المتجسد فى المساجد والجمعيات الاجتماعية والثقافية التى يديرها المهاجرون المسلمون بالتنسيق مع كل من المنظمات الإسلامية العالمية وكذلك مع دول موطنهم الأصلى بعيداً عن السيطرة الحكومية الفرنسية الكاملة، وهو بمثابة تعبير غير رسمي عن الاسلام بإثنياته وتوجهاته المختلفة. وقد أدى الصراع بين الاسلام الرسمى وغير الرسمى إلى اخفاق فرنسا وكذلك أوروبا فى احتواء مكونات الإسلام الحقيقية المتمثلة فى الجمعيات الثقافية والاجتماعبة والمساجد باعتبارها القاعدة المؤسسية الفعلية للاسلام فى فرنسا بتوجهاته الأيديولوجية المتنوعة.
كما أن التناقض المؤسسى للإسلام فى فرنسا يجعل الخطوط الفاصلة غير واضحة بالنسبة لوضعية المنظمات الإسلامية سواء كانت جمعيات اسلامية أو منظمات دعوية أو فروع المنظمات الإسلامية الدولية، خاصة وأن كل تلك المؤسسات لديها توجهات دينية دعوية معلنة بالتوازى مع أهداف سياسية. وفى هذا السياق، يمكن أن نرصد تنظيمات إسلامية عاملة فى أوروبا تختبئ وراء اتحادات اسلامية وجمعيات ثقافية واجتماعية مثل اتحاد المنظمات الإسلامية فى فرنسا الذى يضم 200 جمعية ويمتلك علاقات قوية مع الاخوان المسلمين وبقية الأحزاب الإسلامية فى العالم العربي والتى لها امتداداتها الجغرافية والثقافية على الأراضى الفرنسية عبر التغلغل فى أوساط المهاجرين. هذا فضلاً عن عدم وجود تضامن حقيقى بين مسلمى فرنسا خارج الإطار الإثنى. ومن هنا لا توجد مساجد تضم العرب والأتراك على سبيل المثال. وذلك فى الوقت الذى يلاحظ فيه أيضاً تمايز أيديولوجى بين المهاجرين العرب المسلمين الذين يمكن تقسيمهم بين محافظين وأصوليين وmoderes . ومن ثم، فإن الجمعيات الإسلامية دائماً ما تكون فى منافسة شديدة وفقاً للتمايز الأيديولوجى للجاليات، وغالباً ما تستهدف المهاجرين بناء على انتماءاتهم الوطنية (تونسيين-جزائريين) أو العرقية (عرب-بربر على سبيل المثال). مما أدى إلى عجز كافة الأطراف عن السيطرة على التوجهات الفكرية والأيديولوجية للفئات الأكثر تهميشاً فى الضواحى الفرنسية على وجه الخصوص نتيجة عدم التعامل مع أزمة المهاجرين بشكل شامل.
غير أن السؤال الذى لم يجب عليه طرفا الصراع (فرنسا ومسلموها) هو: هل الاسلام هو الذى يجب ادماجه؟ أم أن المسلمين هم من يتوجب ادماجهم داخل المجتمع الفرنسى؟ وبين التساؤلين نجد “تأرجحاً” وإجابات غير حاسمة نلمسها مثلاً فى سماح السلطات الفرنسية ببناء مساجد للجالية المسلمة باعتباره ذلك وسيلة احتواء دون أن يعنى ذلك قبولاً “للآخر المسلم” ودفعه للمشاركة فى الآليات الاجتماعية التى يمكن أن تفضى للاندماج.
ومن ثم، فإن “التحدى الإسلامى” الذى توجههه فرنسا ومعها بعض دول أوروبا التى يتواجد على أراضيها جاليات عربية-اسلامية كبيرة يبقى ذا بعدين: الأول داخلى من زاوية ضرورة انتهاج سياسات فاعلة تفضى إلى ادماج “الجيتو الاسلامى” بقدر الامكان فى المنظومة الاجتماعية الفرنسية-الأوروبية باعتباره إضافة وليس تهديداً للهوية الجماعية. والآخر خارجى من خلال ضرورة طرح مقارية خارجية وسياسات واقعية وقابلة للحياة تجاه العالم العربى الاسلامى. إلا أن طرف المعادلة الآخر، أى مسلمى أوروبا، بات مطالباً بصياغة الحلول الوسط التى تسمح له بالمضى فى عملية الاندماج داخل المجتمع الفرنسى وانتزاع المكانة التى يستحقها الإسلام وهو الأمر الذى يحتم الخروج من عباءة الحسابات الاستعمارية فى اتجاه انتزاع المواطنة الأوروبية باعتبارها واقعاً ينبغى التماشى مع شروطه
دكتوراة فى تاريخ العلاقات الدولية- جامعة باريس4- السوربون، خبير فى الشئون الأوروبية والمتوسطية