النيل مريض ويزداد مرضه خطورة بمرور الأيام

فقد أدى ازدياد عدد البشر الذين يعيشون في واديه الى تلوثه واستنفاد مياهه، بينما يهدد التغير المناخي بازالته بالمرة ويخشى كثيرون من ان التنافس حول مياه النيل المتضائلة قد يؤدي الى اندلاع نزاعات اقليمية بين الدول المشاطئة له فمنذ بدأ نهر النيل بالسريان، كانت الأمطارالتي تهطل على الحبشة (إثيوبيا) تشكل الجزء الأعظم – أكثر من 80% – من مياهه. حيث كانت الأمطار التي تهطل على أثيوبيا بين شهري يوليوز وسبتمبر من كل عام من الغزارة بمكان بحيث تحول الطرق في ذلك البلد الى مستنقعات لا يمكن تجاوزها. وتيجة لهذه الأمطار، تتكون بحيرات صغيرة بسرعة البرق، محولة هضبة أمهارا الإثيوبية الى مجموعة من الجزر المعزولة التي تحيط بها المياه.

ولكن نهر النيل الأزرق، الذي يبدأ رحلته من غابة تقع الى الجنوب من بحيرة تانا، يستوعب هذه المياه ويتحول في هذا الموسم من جدول صغير الى نهر جبار. أما نهر النيل الأبيض، الذي يتجاوز طوله طول النيل الأزرق، والذي تقع منابعه في بحيرة فيكتوريا في شرق افريقيا، والذي يندمج مع صنوه الأزرق في الخرطوم بالسودان ليكونان نهر النيل، فلا يشكل الا نسبة صغيرة من المياه التي تنساب شمالا نحو مصر. ولكن الأمطار التي تغذي النيل الأزرق لا تسقط بالكميات التي كانت تسقط بها في الماضي، مما ينبئ بنتائج كارثية لحوض النيل بأسره. فموسم “الميهير”، وهو موسم الأمطارالطويل الذي يقع في فصل الصيف، يتأخر قدومه بمرور السنين، كما توقف هطول الأمطارفي أشهر الشتاء والربيع تماما.

يقول لاكيميريام يوهانس ووركو، المحاضر والاخصائي في شؤون المناخ في جامعة اربا مينش الإثيوبية، “هطول الأمطار يتميز بالتباين الآن الى حد بعيد، فهو أقوى في بعض الأحيان وأضعف في احيان أخرى، ولكنه مختلف عن الماضي في كل الأحوال”. وعندما تهطل الأمطار، يكون ذلك من الشدة بحيث تجرف أكثر من مليار طن من الطمي الإثيوبي في نهر النيل كل عام مما يؤدي الى انسداد السدود وحرمان المزارعين من الطمي الذي يغذي أراضيهم ويزيدها خصوبة. وكان لزيادة عدد السكان دورها الكبير في تعزيز هذه الظاهرة، فكلما يزداد عدد أفراد الأسر يقوم هؤلاء بقطع المزيد من الأشجار من أجل توفير المزيد من المساحات والحصول على المزيد من المواد الانشائية لبناء الدور وغيرها.

وبينما تضمحل المحاصيل الزراعية وترتفع أسعارالمواد الغذائية، تزداد معاناة الكثيرين من المزارعين الذين كانوا يعتمدون تاريخيا على الامطار عوضا عن الأنهار لسقي محاصيلهم. وبلغ الأمر بالعديد من هؤلاء الى هجر مهنة الزراعة نهائيا، حيث أجبروا على النزوح الى بلدة بيهار دار، كبرى بلدات منطقة النيل الأزرق التي تبعد عن العاصمة الأثيوبية النابضة أديس أبابا بتسع ساعات بالحافلة من أجل كسب قوتهم. ولكن معظم القرويين فضلوا البقاء، والعيش على الكفاف بأمل أن تعود الأمطار الى الهطول كما كانت في سابق الأيام. قال لي أحد الكهنة إن حضور الناس الى الكنائس قد ازداد في الفترة الأخيرة. ولكن عددا قليلا من هؤلاء المزارعين ضاقوا ذرعا بالموضوع بأسره، فقد سمعوا – حتى في قراهم النائية التي تفتقر الى التلفزيونات والطاقة الكهربائية – بإمكانية الحصول على حياة افضل في أوروبا.

على سبيل المثال، يفكر جيتيش آدامو، الفتى ذوالـ 17 عاما من دانغلا القريبة من منبع النيل الأزرق، والذي ترك مقاعد الدراسة وباع دراجته من أجل شراء البذور لأسرته، بالمخاطرة في عبور الصحارى والتوجه الى البحر المتوسط بغية الوصول الى أوروبا. قال آدامو، “لم اتخذ قرارا بعد، فأنا أفضل البقاء مع أسرتي، ولكن اذا استمر شح الأمطار على هذا المنوال، لن اتمكن من البقاء”. واذا استمرت الأمطار بين مد وجزر لن يتمكن العديدون من أمثاله البقاء في اراضي آبائهم وأجدادهم.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد