اللغة الفلسفية من خلال الأسلوب الفلسفي

بقلم الأستاذ محمد الهلالي

حسب أنطونيا سوليز، لا يمكن فصل الأسلوب الفلسفي عن المنهج الداخلي للكتابة، فالأسلوب ليس اختيارا بلاغيا، وهذا يعني أن الأسلوب يفرض استعمالا خاصا للمفاهيم وكل ذلك موجه من طرف المنهج الداخلي للكتابة. والكتابة الفلسفية تستعمل عدة مواد من بينها الاستعارة. والخطاب الفلسفي هو خطاب غير طاهر لأن الخطابات لا تختلف عن بعضها البعض اختلافا متطرفا، لأن الحدود بينها غير واضحة. وبناء على ذلك لا يمكن تحديد الخطاب الفلسفي، ومن الصعب أن نضع له أسسا فكل ما يتمي به الخطاب الفلسفي هو نشاط إشكالي. تقول أنطونيا سوليز: “الفيلسوف بالنسبة لي هو الذي يفتح دكانا صغيرا يبيع فيه أدوات الفكر… أرى فتجنشتين ودولوز وآخرين يبيعون أدوات الفكر… للسياسيين والفنانين الذين يصنعون منها أشياء عديدة”.

ويقدم فريديريك كوسيتا نصوص ديكارت كنموذج لتلازم المنهج والأسلوب، فالتلازم بين النواة المذهبية وصيغة الكتابة عند ديكارت تظهر في استعماله للعرض الهندسي (في الاعتراضات الثانية في كتاب التأملات) وللحوار والحكي. ويؤكد أن الكتابة الفلسفية ليست محايدة، لكن لا يمكن تحويل الكتابة الفلسفية إلى أدب. فالخطاب الفلسفي لا يتكون من المكون الفلسفي فقطـ وبهذا المعنى فهو ليس طاهرا، ولكنه لا يرغب في خطابات أخرى مثل الخطاب التيولوجي والأدبي إلا عبر آلية التمفصل فيما بينها.

ويقدم باتريك لورو توضيحا للأسلوب الفلسفي انطلاقا من عملية “التغذية”. فيمكن أن نتساءل: ماذا يأكل الفيلسوف؟ والجواب هو: الفيلسوف يأكل الثقافة والإدراك واللغة ويأكل نفسه والآخرين ثم ينتقل لمرحلة الهضم.

هل يمكن القول أن لكل فيلسوف أسلوبه الخاص؟ ألا يعني ذلك إضفاء نوع من الأدبية على ما هو فلسفي في الخطاب الفلسفي ؟ ما العلاقة بين الأسلوب لفلسفي واللغة الفلسفية ؟

أسلوب شوبنهاور 

يقول نيتشه أن أسلوب شوبنهاور يميل إلى قول ما هو عميق فقط، وقول ما هو مؤثر بدون بلاغة، أي قول ما هو علمي بدون تحذلق.

يعارض شوبنهاور أسلوب الفكر المثالي، يدين الكتابة المتصنعة والتي تستعمل جملا متداخلة فيما بينها، والتي تدور حول الفكرة وتخفيها. يقول شوبنهاور: “إن أول قاعدة لأسلوب جيد (…) هو امتلاك شيء يقال (…) ومع ذلك فعدم احترام هذه القاعدة هو خاصية أساسية للفلاسفة وبصفة عامة لكل الكتاب الذين يفكرون في ألمانيا وبالخصوص ابتداء من فيخته”.

أسلوب روسو: 

يتميز أسلوب روسو بالصرامة وقوة البلاغة إلى حد أن الكاتب فيه يتفوق على المفكر، كما يصعب تمييز الفيلسوف فيه عن الخطيب. وهو أسلوب نقدي جدلي يستعمل بنجاح كل موارد البلاغة الكلاسيكية. ولهذا السبب كان كانط يجبر نفسه على قراءة روسو مرتين حتى “لا يزعجه جمال العبارة” وحتى “يتملكَ فكرَ روسو بالعقل وحده”.

أسلوب نيتشه:

يقوم أسلوب نيتشه على الكتابة الشَّذْرية، كتابة الشَّذَرات، الكتابة عن طريق الحِكم، الكتابة المختصرة والمكثفة. يقول نيتشه: “يكمن كبريائي في أن أقول في عشرة جمل ما يقوله آخر في مجلد، أو ما لا يستطيع آخر أن يقوله في أكثر من مجلد”.

ويقول أليكسيس فيلونينكو Alexis Philonenko “يُعتبر هكذا تكلم زارادشت النص الوحيد من أعمال نيتشه الذي يخلو كليا من أي مصطلح عالِم. وهو ما يؤدي إلى الدفاع على أن الفيلسوف يمكنه أن يعرّف نفسَه بأسلوبه وليس بمصطلحاته” (Nietzsche le rire et le tragique, LGF, 1995). وينتقد نيتشه أسلوب أفلاطون ويعتبره “أحد الأوائل المنحطين أسلوبيا” كما يصفه بأنه “نصاب من الطراز العالي أو مثالي” (أفول الأصنام، 2/147). كما ينتقد الأسلوب الهيجلي ويرى أن الجملة الهيجلية صيغت على صورة النسق الهيجلي، ويرى أن “ما يميز الأسلوب الرديء هو لفّ نواة، وإعادة لفّها دائما وباستمرار حتى تكاد لا تظهر…”. ويمكن تلخيص موقف نيتشه من الأسلوب في قولته التالية: “الكتابة الجيدة تعني في نفس الوقت الفكر الجيد” (المسافر وظله، 87).

وحسب جاك لورِيدَر Jacques Le Rider يمكن التمييز بين ثلاث لحظات لاستقبال نيتشه في اللغة الفرنسية وهي على الشكل التالي

 –مرحلة أولى من 1890 إلى بداية 1930 حيث اعتبر فكر نيتشه أدبيا بالأساس.

مرحلة ثانية في نهاية 1930 حيث اعتبر نيتشه فيلسوفا لا عقلانيا ومخربا.

مرحلة ثالثة ابتداء من 1960 أ, 1970 حيث تم الاعتراف بنيتشه كفيلسوف له منطلقه الخاص وله منهجه الجينيالوجي.

ويمكن الحديث عن تيارين كبيرين لترجمة نيتشه إلى الفرنسية (انسجاما مع اللحظات الثلاث لاستقباله)؛ 

التيار الأول حاول إبراز البعد الأدبي في كتابات نيتشه (Henri Albert – Maurice Betz – Alexandre Vialatte). هؤلاء المترجمون عبروا بلغة بسيطة وأنيقة عن فكر نيتشه حتى ولو أدى بهم ذلك إلى التضحية بدقة النص الأصلي.

التيار الثاني فضل التضحية بجمالية النص لصالح دقة المفاهيم.

أسلوب سارتر: 

في آخر حواراته عبر سارتر عن التعارض الموجود ما بين البعد الجمالي والبعد التقني للخطاب. ويعرف الأسلوب بأنه “نوع خاص من استعمال اللغة وعنصر مكون للأدبية” وبذبك يكون الأسلوب هو استعمال اللغة بحيث تستطيع كل جملة أن تقول ثلاثة أو أربعة أشياء في جملة واحدة. ومن الواضح أن هذا التعريف يخص الأدب وليس الفلسفة. أي أن الفلسفة لا تتمتع بما يتمتع به الأدب في مسألة الأسلوب والسبب يعود حسب سارتر إلى أن “الأدب يستعمل التعبير التمثيلي عما يعبر عنه أكثر مما يتواصل، أما الفلسفة فتتواصل أكثر مما تستعمل التعبير التمثيلي عما تعبر عنه، وبالتالي فالفلسفة تخضع لمبدأ الأحادية والوضوح”. ففي الفلسفة يتعلق الأمر بتفسير كل شيء، بتفكيك القول إلى الحد الأقصى، بحيث تقال الأشياء بالترتيب الواحدة تلوى الأخرى وليس دفعة واحدة كما هو الأمر في الأدب.

يرى سارتر أن كتاباته الفلسفية تقنية بسبب الغاية البرغماتية لتلك النصوص لأنها تستهدف التبليغ الفعّال للمعرفة نظرية وعملية.

يرى جيل دولوز أن مسألة الأسلوب مسألة صعبة. “فالأسلوب هو خاصية الذين لا أسلوب لهم”. وما يميز الأسلوبيين الكبار مثل بالزاك Balzacوبيغي Péguy وسيلين Céline هو عدم الاحترام الحرفي لقواعد اللغة التي يستعملونها. فالأسلوب، يقول دولوز “يجعل اللغة تتمتم وتتلعثم”,

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد