هل تنجح روسيا في نزع فتيل الأزمة بين كوريا الشمالية وأمريكا ؟

تصعيد مستمر وتوتر متزايد في الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية على خلفية رفض الأولى إجراء الثانية تجارب نووية أو امتلاك صواريخ باليستية، مما دفع موسكو إلى محاولة التدخل لتهدأة الأوضاع المتفاقمة بين واشنطن وبيونج يانج. هذا التصعيد وصل إلى مرحلة حرجة للغاية، فتجاهلت بيونج يانج كل تحذيرات واشنطن بشأن التراجع عن تجاربها النووية، بأن اختبرت تجربة نووية جديدة خلال الأيام الماضية. وتعد هذه الجربة النووية السادسة لكوريا الشمالية والتي نتج عنها هزة أرضية كبيرة بلغت نحو 5.6 بمقياس ريختر، وذلك على عمق 10 كيلومترات. ووفقا لما أعلنته كوريا الشمالية، فإن هذه التجربة النووية الجديد عبارة عن قنبلة هيدروجينية تفوق قوتها قوة القنبلة النووية عدة مرات، وتم تحميلها على صاروخ باليستي، ويرى محللون أن القدرات النووية لكوريا الشمالية تتقدم ويجب التعامل معها بحذر.

الأحداث السابقة والتطورات الكبيرة على مستوى الأزمة، دفع وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، إلى إعلان موقف موسكو من الأمر عبر تمسكها بالمفاوضات التي حسبما صرح لا بديل عنها لحل الصراع، مع التأكيد أيضا على رفض الحلول العسكرية، وأوضح لافروف، خلال مشاركته بمنتدى الشرق الاقتصادي، الأربعاء، أنهم لم يمنعوا مشروع القرار الأمريكي بشأن كوريا الشمالية، لكنه يحق لهم أولا معرفة تفاصيله قبل الإعلان عن التأييد أو الرفض. ولا يعد موقف وزير الخارجية الروسي غريبا، فيأتي تاليا للمقاربات التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال حضوره قمة “بريكس”، أمس الثلاثاء، ومحاولة فرض إجراءات ضغط جديدة على صعيد زمني ممتد لنهاية الأزمة.

وأكد لافروف أن روسيا والصين أثناء مشاركتهما في اجتماع لمجلس الأمن الدولي – عقد في أعقاب آخر تجربة نووية في كوريا الشمالية- لفتت انتباه الشركاء إلى المبادرة الروسية الصينية المشتركة الخاصة بطرح خريطة طريق لتجاوز ذروة الأزمة الكورية وإعادة الوضع إلى مجرى المفاوضات. كما أوضح وزير الخارجية الروسي، أن موسكو ستطلب من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الانضمام إلى جهود الوساطة في كوريا، لإنهاء هذا الصراع.

تاريخ الخلاف

وتمتد الخلافات بين كوريا الشمالية وأمريكا منذ إطلاق بيونج يانج، القمر الصناعي “كوانج ميونج سونج 3” في عام 2013، والذي أدى لتوتر العلاقات بين البلدين، ففي الرابع والعشرين من يناير 2013 هددت كوريا الشمالية الولايات المتحدة مؤكدة أنها العدو الرئيسي للشعب الكوري. وفي 17 يوليو 2013، أعلن وزير الدفاع الأمريكي “تشاك هاجل”، أن بلاده لن تشارك في أي محادثات سلام مع كوريا الشمالية إلا إذا تخلت عن طموحاتها النووية، كما أعلن معهد العلوم والأمن الدولي الأميركي، في السابع من أغسطس الماضي، أن كوريا الشمالية ضاعفت إنتاجها من اليورانيوم مرتين في غضون 4 أشهر وبذلك سيصل الإنتاج إلى 68 كجم وهي نسبة تكفي لصناعة 3 قنابل نووية سنويا.

وتصاعدت وتيرة التصريحات والتهديدات بين الجانبين، بسبب استمرار الرفض الأميركي لامتلاك كوريا أسلحة نووية وإصرار رئيسها بيونج يانج على المضي قدما في مشروعها النووي، ونتيجة لذلك التصعيد حركت الولايات المتحدة بعض القطع البحرية العسكرية التابعة لها تجاه شبه الجزيرة الكورية، وسط غضب من اليابان وكوريا الجنوبية حلفاء الولايات المتحدة. وأطلقت كوريا صاروخا باليستيا في الرابع من يوليو الماضي، والذي لاقى حملات واسعة من الاستهجان الدولي وخاصة من الولايات المتحدة، إذ طالب الرئيس دونالد ترامب الصين بإنهاء ما وصفه بـ “الهراء”. وكشف وزير الدفاع الأمريكي عن تخوفات واشنطن من التجارب النووية التي تجريها كوريا الشمالية مؤخرا، وسط مخاوف من إجراء تجربة نووية سادسة، ما يشير إلى احتمالية رد أميركا بعمل عسكري على أي استفزاز كوري.

التراجع عن العقوبات

وقال الدكتور طارق فهمي، الخبير في الشان الدولي إن الموقف الروسي بشأن الأزمة الكورية الشمالية الأمريكية يحكمها عدة أسباب منها أن موسكو ترغب في تسجيل موقف تجاه واشنطن في ملف هام لها، ويأتي ذلك على خلفية أزمات كبيرة بين موسكو وواشنطن تمثلت في تخفيض عدد الدبلوماسيين بين البلدين، وإغلاق السفارة الروسية في “سان فرانسيسكو”. وأضاف فهمي لـ “الدستور”، أن روسيا تعيد طرح نفسها في الأزمة على خلفية أنها لديها أوراق ضغط على كوريا، لافتًا إلى أن الصين تمثل الطرف الأكثر تأثيرا في الأزمة. وأوضح الخبير في الشأن الدولي أن روسيا تحاول جر الولايات المتحدة للتراجع عن العقوبات الموقعة عليها مؤخرًا من جانب الكونجرس، كما أن الرئيس الأمريكي في موقف ضعيف وقد يتم استجوابه في الكونجرس بسبب الاتهامات الموجهة له بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

عوائق الدور الروسي

ورأى أحمد العناني، الخبير في الشأن الدولي، عضو المجلس المصري للشئون الخارجية أن محاولات روسيا لتهدأة الأوضاع ما بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لن تحقق النتائج المرجوة منها. وأشار العناني لـ “الدستور”، إلى أن روسيا ليست مقبولة من مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الخلافات القائمة بينهما على خلفية اتهامات موجهة من الكونجرس لروسيا وترامب بتخابر الرئيس الأمريكي مع موسكو لتدخلها لحسم المعركة الانتخابية لصالحه. ويجري الكونجرس الأمريكي ومكتب التحقيقات الفيدرالية “إف بي آي”، في الوقت الحالي تحقيقات موسعة مع أعضاء حملة ترامب الانتخابية، بسبب الاتهامات التي وجهت لهم بشأن تعاونهم مع روسيا وتدخلها في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لترجيح كفة دونالد ترامب على حساب هيلاري كلينتون. التحقيقات التي يجريها الكونجرس طالت جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، وأحد مستشاري حملته الانتخابية. ووفقا لأحمد العناني، فحل الأزمة القائمة بين واشنطن وبيونج يانج، بحاجة إلى تدخل دولي على مستوى موسع على ان تكون الصين جزءً رئيسيا فيه نظرا لعلاقاتها المشتركة مع الجانبين.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد