بقلم الدكتور حسن لوكيلي
1
فعلت سنوات الرصاص فعلها، وأصبح الرقيب رقيبين: ذلك الذي نحمله في دواخلنا والآخر الذي يسري في دواخل. نصنع المرتشي. نصنع المستبد. السياسة التي نجت عندنا هي سياسة التكميم وتخليد الأمية: جعلها خالدة.
2
صعدا القطار مزهوين بالنصر الكبير، كان فتحاً مبيناً، فقد حصلا على التأشيرة الكندية…
استلقيا على الأريكة واستسلما للنوم، فقد قضيا ليلة بيضاء في الاستعداد لذلك، استيقظا بعد مدة، لعلها دقائق أو ساعات. تساءلا للتو: هل يسير القطار للخلف ؟ وبنبرة تتأرجح بيت التعجُّب والذًّعر قالا: لأول مرة نرى قطاراً يتحرَّك للخلف، وتناسلت الأسئلة في ذهول…
3
عدم الاستقرار غريب حميم. أصبحت مرافقته لي قارة لا ملاذ منها. حالة مرَضية تتقيأ من لعابها فلا أُسقى إلاَّ مما فََضل من رحيقها، بدون هوية أتسكع، أبحث عن ليلة عشق لن تكون بالضرورة أحسن الليالي أو أبهاها، وقد تنتهي وقد ارتدت كل الأشكال إلاَّ ملامح العشق.
4
قيل الاستقرار جمود: أي أنه أكثر شمولية من معنى الحركة. وأحياناً قيل أنه نهاية، وقيل أيضا أنه مجرد مرحلة…
5
استسلم للنوم وسط أكوام عظام التفّت حول نفسها، أجساد إخوته السبعة تحميه من لفحات البرد. استيقظ. ارتدى بذلته المهترئة. التَهَم قطعة خبز. شرب كوب شاي. حمل لوح الكتابة، كان قد اقتناه من بقّال الحي بثمن بخس، عرج على المزبلة، التقط قطعة قماش وحمل نعليه تحت إبطه وأعطي ساقيه للريح لا يلوي على شيء قاصدا المدرسة، تذكر الطبشورة، سيطلبها من المعلم: لقد قرر أن يصبح طبيباً.
6
نَمَت فكرة، استوطنت عقلاَّ، انصهرت في ذات فأصبحتا شيئا واحداَّ لا فراق ولا انفلاق. كرٌّ وفرٌّ، مدٌّ وجَزرٌ، هي الحياة قِيل. نمت فكرة ولم تتخذ لها شكلاً بل اكتفت هويَّةً ركحاً تتجسَّد عليه الحياة، ظلت تؤرقني وما أحلاه من أرق وألذه. تحدِّ لكل العراقيل، لكل العقبات، تحدِّ لا يؤمن بالمستحيل .
7
ما هي ماهية الحياة؟ تساءلت هذا السؤال وابتعدت عن الجاهز من الأجوبة، واستحضرت أنَّ كلَّ المذاهب والأديان أكَّدت على المتعة كأساس للعطاء بكل أنواعه.
8
كم مرةً أردتَ أن تتكلم فخنقت أنفاسك بنفسك؟ تحت ذرائع واهية، الحكمة، التَّريث، الرَّزانة… لكن حين تعود للكلام عن نفس الموضوع تجد أنَّه فات الأوان، ولم يعد ما تقوله ذا معنى. تعيد الكرّة عدَّة مرَّات دون أن تتعظ. أتكلَّم بالمخاطب وأنا اقصد نفسي قبل الآخر لأن السكوت عن الشيء أو البوح به إما خيانة أو شُحٌّ. وبين الصِفتين تضيع الشَّهامة والشَّجاعة.
9
نمت برعمة، بعد أن كانت بذرة، تفتحت وردة، أظهرت جمالا، تفرسا، واجهت نظرات حاقدة بالابتسامة، أهدت قسطاً من طفولتها عرفاناً لحياة استساغتها ولم تتركها للذئاب تنهشها دون أن تنسى أنَّها جاءت لتعطي للحياة مدىً آخر لتديم الحياة، لتعطيها معنىً، فكان لها ذلك، بذرة فبرعم… وغداً وردة.
10
هل فكًّرنا يوماً في طبيعة الخطاب الذي نُنتجه خلال مقاربتنا للمواضيع التي شكَلت وتشكل حلقات التصالح مع الذَّات وتهدف التًّواصل مع الآخر وجعله يقتنع بمشروعنا كيفما كان هذا المشروع؟ ألم نظل حبيسي المنطق الدعائي القومي والدًّعوي، بمعناه الدِّيني، المبني على الشَّحن لا الإقناع وعلى التًّوفيق وليس على البيان والبرهان ؟ نبذنا النِّقاش ومقارعة الحجَّة بالحجَّة، استوطنَّا أرض “آمين”. نستعمل الدعاية بَدل الخطاب المُقنع المبني على العقل. فمتى نخضع كل الأشياء للنقاش دون خوف من المجهول مسلحين بقناعة مفادها أننا نمارس التفكير عن اقتناع وليس عن تقليد أو بمنطق المريد ؟ متى نُعلي من مستوى الحرِّية ونخفِّض من منسوب الطَّابوهات بأبعادها السياسية والدينية ؟ متى نقدر المواطن ونخاطب عقله لا عواطفه إمًّا للترهيب أو للاستعطاف ؟