جاك دريدا واللغة الفلسفية

 

بقلم الأستاذ محمد الهلالي

كيف “فكك” جاك دريدا مسألة اللغة الفلسفية ؟

تطرق جاك دريدا لمسألة اللغة الفلسفية من زاوية علاقة الأدب بالفلسفة وانطلاقا من الاستعارة ومكانتها في الخطاب الفلسفي. يقول عن الاستعارة في الفلسفة: “لكي يستخرج المرء الاستعارة من الفلسفة يجب أن يكون جواهريا” (الميثولوجيا البيضاء/249).

تتحول اللغة الطبيعية إلى لغة فلسفية عبر الاستعارة. ويوظف دريدا مفهوم l’usure (التَّـلف، البِلَى، الضياع بسبب الاستعمال) عوض l’usage (الاستعمال).

ويستدعي دريدا كتابا بعنوان (Le songe de Poliphile)، وهو كتاب شهير مجهول المؤلف، ويعود تاريخ تأليفه إلى سنة 1467 بإيطاليا، ويعتبر من الكتب المثيرة للحيرة في عهد النهضة (وموضوع الكتاب   هو صراع الحب في حلم اليقظة)، يستدعي دريدا هذا الكتاب ليتطرق لكيفية انتقال الكلمات من اللغة الطبيعية إلى اللغة الفلسفية. يستشهد دريدا بالفقرة التالية من الكتاب: “عندما يُعِدّ الميتافيزيقيون لغة، فإنهم يشبهون شاحذي آلات يضعون ميداليات وقطعا نقدية في آلة الشحذ (المِسن أو الرحى) بدل الخناجر والمقاصّ، وذلك لمحو ما بها من شعارات وتواريخ السّك ورسومات، وعندما يتقنون العمل وتختفي من قطعهم النقدية الزهيدة كل العلامات المميزة لها يقولون: هذه القطع لا تنتمي لمكان محدد، لقد استخرجناها من خارج المكان والمكان، والآن فهي لا تساوي ثمنا زهيدا، وإنما ثمنها لا يقدر، واستعمالها مطلق… وعبر هذه الصناعة انتقلت الكلمات من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا، وفي أول وهلة لا نرى إلا ما فقدته تلك الكلمات، ولا نرى في التو ما ربحته“.

ويعلق كونستانتان سالافاسترو Constantin Salavastru على موقف دريدا في هذا المجال قائلا: “إن نتائج تأملات دريدا تؤكد الحاجة إلى تأسيس بلاغة جديدة قابلة للتطبيق على الخطاب الفلسفي. وستستهدف هذه البلاغة الجديدة أساسا إقامة تصنيف للاستعارات الفلسفية، وجعلها قابلة للتعرف عليها داخل نسق ما، وانطلاقا من ذلك تقديم العناصر الأولى لتمفصل ووصف بلاغة فلسفية، أي نظرية مستقلة قادرة على الاهتمام وتحديد تغيرات وسلطة الإغراء التي يمارسها هذا النوع من الخطاب مقارنة بالخطابات الأخرى”.

يُقر دريدا باختلاف كل النصوص عن بعضها البعض، وهو ما يمنع إخضاعها لنفس المقياس. أو بتعبير دريدا يجب ألا نقرأ جميع النصوص “بنفس العين”. وينفي كونه ماثل النص الفلسفي بالنص الأدبي لأنهما مختلفان ولا يمكن اختزال أحدهما للآخر. لكنه يؤكد في نفس الوقت أن الحدود الفاصلة ما بين النوعين أكثر تعقيدا. كما لا يمكن التطرق لكل الأسئلة المتعلقة باللغة الفلسفية دون التساؤل عن “ما هي الفلسفة؟” و”ما هو الأدب؟”. يقول دريدا: “إن تحليل الخطاب الفلسفي بتحليل شكله وأنماط تركيبه وبلاغته واستعاراته ولغته وتخيلاته أي تحليل كل ما يقاوم الترجمة… لا يُعَدّ اختزالا إلى الأدب، بل تظل مهمة التحليل هذه مهمة فلسفية إلى حد بعيد“.

وأكد دريدا أنه لا يتفق مع الخطابات التي تميل إلى اعتبار الفلسفة نوعا من الأدب (مثل خطابات نيتشه وفاليري) رغم دراسته لها. يقول دريدا: “إن الذين يتهمونني باختزال الفلسفة إلى الأدب أو اختال المنطق إلى البلاغة (هابرماس مثلا) قد تجنبوا بشكل واضح ومقصود قراءة نصوصي”.

ومن جهة أخرى، يؤكد دريدا أن النمط البرهاني والفلسفة ذاتها ليسا غريبين عن الأدب. يقول دريدا: “كما أن هناك أبعاد أدبية وتخيلية في كل خطاب فلسفي (…) هناك أيضا قضايا فلسفية تعمل في كل نص يعرَّف بأنه أدبي (…) وهذا التوضيح المتعلق بالعلاقة ما بين الفلسفة والأدب ليس مشكلا صعبا أحاول معالجته كمشكل صعب فقط، ولكنه أيضا ما يتخذ في نصوصي صيغة كتابة، هذه الكتابة التي تحاول ألا تضحي لا بالانتباه للبرهنة والأطروحات، ولا بخاصية التخيل أو شعرية اللغة حتى لا تكون لا أدبية خالصة ولا فلسفية خالصة”.

ويخلص دريدا إلى عدم وجود “كتابة فلسفية على وجه التحديد” أي أنه “لا وجود لكتابة فلسفية واحدة يكون صفاؤها دوما هو نفسه، وتكون في مأمن من كل عدوى”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد